في الشرق الأوسط لم تعد الحروب تُعلن بصوت الانفجار، بل تبدأ بصمتٍ ثقيل يسبق العاصفة، سكونٌ ليس هدوءًا بل إنذار مبكر لمن يقرأ ما بين السطور، حيث تُرسم التحولات الكبرى في الظل قبل أن تظهر على السطح.
اضافة اعلانالهدنة ليست استراحة محارب، بل غرفة عمليات مفتوحة لإعادة تشكيل الخرائط خلال وقت قصير، عبر نقل الجبهات وإعادة توزيعها بهدوء على طاولات التفاوض.
إنها انتقال مدروس لمركز الثقل، تُدار بتضليل خدّاع، يتعمد اخفاء المشهد في غزة، بينما يُعاد إدخال لبنان إلى قلب المعادلة من زاوية أكثر حساسية وتعقيدًا.
دعونا نحفر في الاحداث السابقة، بعد الهدنة ودون مرور الوقت، انزلق التركيز تدريجيًا نحو لبنان، والجنوب الممتد حتى بيت جبيل، تحولت إلى مسرح مفتوح بلا إشارات ممنوعة.
القصف الاسرائيلي هناك لم يعد تكتيكيًا، بل قصف ثأري الملامح يتجاوز الرد العسكري إلى إعادة تشكيل نفسية وسياسية.
إسرائيل لا تضرب فقط أهدافًا، بل تعيد تعريف قواعد الاشتباك، لتفتح مسارًا تفاوضيًا من بوابة مصالحها.
في قلب هذا المشهد، تبدو المفاوضات وكأنها لعبة استدراج معقّدة، تبدأ من طهران، تمرّ عبر بيروت، ولا تنتهي عند حدود إسلام آباد.
ترامب لاعب روليت يعيد خلط الأوراق بين إعلان الفشل الذريع للمفاوضات والعودة لوصفها بالمثمرة، هذا ليس تخبطًا سياسيًا، بل أداة مقصودة لزرع الشك داخل بنية التحالفات مع الأذرع وإيران بهدف أن تتآكل الجبهات من الداخل دون رصاصة واحدة.
في السياسة، الشك ليس خللًا، بل مدخلٌ لإعادة تشكيل المصالح.
نسأل هنا، هل يمكن لإيران أن تُقايض نفوذها الإقليمي؟ فترمي لبنان مقايل هرمز؟ هل يمكن أن تبيع أذرعها مقابل مكاسب اقتصادية أو تخفيف الضغط؟ هل يمكن لايران ان تتنازل عن الكتلة الشيعية في لبنان؟ وهذه الأسئلة لا تُطرح للإجابة، بل لزرع التردد.
الحقيقة الأعمق لم تعد المفاوضات تدور حول النووي أو الصواريخ أو نسب التخصيب، إذ تبدو هذه الملفات مستهلكة أو جرى التفاهم عليها ضمنيًا.
العقدة الحقيقية انتقلت إلى مضيق هرمز بوصفه شريان الطاقة العالمي، حيث يتحول التحكم به إلى إعادة تعريف للسيادة البحرية وصراع على النفوذ.
من هنا، لا يُنظر إلى الرسوم أو ترتيبات العبور مع سلطنة عمان كمسألة اقتصادية، بل كعنوان صراع سيادي.
واشنطن تدرك أن الضغط على إيران لا ينجح بالعقوبات، بل عبر تقليص قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى أداة نفوذ استراتيجية.
المفاوضات ليست توصيفًا دقيقًا بقدر ما هي جزء من بروباغندا تُخفي جوهر الصراع، من يتحكم بتدفق النفط والغاز نحو الصين وروسيا وأوروبا؟ ومن يفرض قواعد المرور في أخطر ممر مأئي؟هنا تتحول إيران من دولة تحت ضغط إلى لاعب يملك ورقة استراتيجية يصعب تجاوزها في معادلة الطاقة العالمية.
والآن تفهم تحركات إدارة ترامب في سورية ولبنان بوصفها جزءًا من مشروع جيوسياسي أوسع، يربط بين إعادة تشكيل النفوذ على خطوط تمتد من الناقورة إلى جبل الشيخ والقلمون وبانياس، وهي مناطق يُنظر إليها كمفاصل حيوية لمسارات الطاقة.
والاستناد في هذه المقاربة يقوم على نهج أمن قومي أميركي يعتبر أن الأولوية ليست السيطرة المباشرة على الشرق الأوسط بقدر ما هي ضمان التحكم بممرات النفط والغاز ومصباتها، من مضيق هرمز حتى الأطلسي.
وتتبدّى خريطة انتشار القواعد الأميركية كجزء من إعادة تموضع إستراتيجي واسع، لا كتحركات عابرة، في لبنان من المزة والصنين ومطار الضمير، إلى قاعدة ضخمة يُخطَّط لها في غزة، وأكبر سفارة بمساحة 90 الف متر، وصولًا إلى حضور في حماة سورية.
كل ذلك يتزامن مع استعدادات لوجستية على سواحل لبنان، واحتمال وصول قوات مارينز الى ساحل لبنان من قواعد في اليابان وكوريا الجنوبية.
هذه المؤشرات، إن صحّت، تعكس إعادة رسم لخطوط التماس، حيث يتحول الانتشار العسكري إلى أداة ردع مركّبة، تنصهر فيها السياسة بالقوة بتأثير يتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة.
ان الحديث عن لبنان -جنوب منزوع السلاح - وتحديد مواعيد تفاوض لرئيس الحكومة اللبنانية، يفسر التسريع اللافت في تصنيف ما يسمى بالتشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون ووفق ذلك قرر لبنان طرد السفير الايراني وطلبت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس بلاسخارت لبنان بوضع خارطة طريق لمعالجة سلاح حزب الله.
مقابل ذلك رسم نفوذ يمتد من ساحل الشام الى جبال طوروس بعمق دمشق والتثبت بالحضور في رافدي العراق وتوريط السلطة في سورية بمعادلة استنزاف سياسي مقابل تأزيم وضع مصر اقتصاديا وإثارة قلق الخليج من باكستان وغيرها وبوادرصراع تركي، واستخدام داعش من جديد كورقة استخباراتية.
كل ذلك يتقاطع مع رهانات السيطرة الجغرافية على (السلاسل الجبلية) وفتح مسارات توتر داخلي قد تنزلق إلى إحتراب أهلي يمهّد لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض.
والأخطر هو البعد الإقليمي، بتوظيف موقع إيران، والضغط عبر الساحة اللبنانية في مقابل معادلة نفوذ تُختزل بصفقة مضيق هرمز مع أميركا وساحل الشام لإسرائيل.
السؤال الحاسم، هل تقبل طهران بهذه المقايضة أم تفجّرها؟
إعلان الحصار البحري على إيران عبر القيادة المركزية الأميركية يتجاوز كونه خطوة عسكرية، ليشكّل تصعيدًا اقتصاديًا يستهدف خنق طهران ودفعها إلى تفاوض مختلف، عبر تفتيش السفن وتقييد الملاحة ورفع كلفة أي رد.
غير أن التداعيات لا تقف عند إيران، بل تنذر بتوسّع التوتر إقليميًا نحو باب المندب، بما يهدد التجارة العالمية.
وفي المقابل، يكشف الحراك الأوروبي بقيادة إيمانويل ماكرون عن تباين داخل المعسكر الغربي، حيث تسعى أوروبا لحماية مصالحها عبر موقف أقرب إلى الحياد، في رسالة واضحة بأن التوافق الغربي لم يعد موحّد الإيقاع كما ان الصين لن تسمح بتعطل مصالحها التجارية ناهيك عن تضرر صادرات نفط دول الخليج نفسها من حصار الصديق ترامب.
المعضلة الايرانية تتجاوز الاقتصاد إلى العقيدة، فشبكة تحالفاتها مرتبطة بمفهوم “الولاية أو البيعة”، ما يجعل أي تنازل تهديدًا لبنية النظام ذاته، لا خطوة سياسية عابرة والتخلي عن نفوذها في لبنان يعني اهتزازًا داخليًا عميقًا.
المحصلة يا عرب يا مسلمين، نحن ننتظر جولة جديدة أكثر تعقيدًا، يُحسم فيها شكل الصراع ومركزه وقد لا تكون الهدنة سوى خدعة وإعادة توزيع للأدوار، لكن لا تنسوا أن الإجابات غالبًا ما تأتي متأخرة في الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك