الذهب.
أحلام الصعود.
وصدمة الواقعفي أوقات الهدوء، يبدو الذهب مجرد معدن ثمين… لكن مع أول شرارة توتر، يتحول إلى لغة عالمية للخوف، ترتفع قيمتها كلما اقترب العالم من حافة المجهول، خلال شهري مارس وأبريل 2026، لم تكن تحركات الذهب مجرد تغيرات اعتيادية، بل بدت أقرب إلى قصة مضطربة تتشكل لحظة بلحظة.
فقد بدأ المعدن الأصفر تداولاته قرب مستويات 5300 دولار للأونصة في أواخر فبراير وبداية مارس، قبل أن يدخل في مسار هابط تدريجي، تخللته محاولات صعود محدودة، لكنه سرعان ما فقد زخمه.
ومع منتصف مارس، تسارعت وتيرة الهبوط بشكل حاد، ليصل الذهب إلى أدنى مستوياته قرب 4200 دولار للأونصة، في تراجع يقترب من 20% خلال فترة قصيرة.
هذا الهبوط لم يكن مستقرًا، بل اتسم بتذبذبات عنيفة، عكست حالة ارتباك واضحة في الأسواق، لكن مع نهاية مارس وبداية أبريل، بدأ الذهب رحلة تعافٍ تدريجية، صعد خلالها نحو مستويات 4800 دولار، حيث استقر نسبيًا مع استمرار موجات صعود وهبوط قصيرة.
هذا المسار المتقلب لا يمكن فصله عن التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، ففي البداية، سادت حالة بيع سريعة مدفوعة بالذعر وإعادة تموضع السيولة، قبل أن يعود المستثمرون تدريجيًا إلى الذهب كملاذ آمن مع اتساع المخاوف من تصعيد أوسع.
وهو ما يعيد طرح الفكرة التي ذكرناها في هذه الزاوية سابقا، حيث لا يتحرك الذهب وفق منطق اقتصادي بحت، بل وفق إيقاع الخوف العالمي.
اللافت هنا أن السوق لم يتجه في خط واضح، بل تحرك في موجات قصيرة ومتسارعة فكل ارتفاع كان يتبعه تراجع، وكل هبوط كان يحمل في داخله بوادر صعود، وكأن السوق يعيش حالة ترقب دائم لا تسمح له بالاستقرار.
لكن حين نبتعد عن هذا المشهد العالمي، وننظر من زاوية المواطن العربي، تتغير الصورة تمامًا، لا يتعامل المواطن مع الذهب كمنحنى أو مؤشرات بل كأداة أمان يومية، ومع هذا التذبذب الحاد يتحول القرار البسيط (شراء أو بيع) إلى معادلة معقدة.
في لحظة الهبوط تبدو الأسعار فرصة، لكن الخوف من استمرار التراجع يجمّد القرار.
وعند الصعود، يعود التردد: هل هذا هو الوقت المناسب للبيع، أم أن الأسعار لم تبلغ ذروتها بعد؟ ويمتد هذا القلق إلى تفاصيل الحياة اليومية.
فالمقبلون على الزواج يواجهون أسعارًا متغيرة بوتيرة لا تسمح بالتخطيط، بينما الأسر التي تعتمد على الذهب كوسيلة ادخار تجد نفسها أمام سوق غير مستقر نفسيًا.
أما من يملكون الذهب، فيقفون بين احتمال تحقيق مكاسب، وخشية ضياع فرصة أكبر.
في النهاية، قد يظل الذهب محتفظًا ببريقه، لكن سلوكه في هذه المرحلة يطرح تساؤلًا مختلفًا: إذا كان «الملاذ الآمن» نفسه يتأرجح بهذا الشكل، فهل ما نراه أزمة في الذهب، أم انعكاسًا لأزمة أعمق في توازن العالم؟ mohamed@elsadi.
net.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك