عمان- في لحظة ما، قد تنقلب حياة الإنسان من حزن إلى فرح، أو من سعادة إلى مأساة؛ هكذا هي الحياة، تتبدل وتتغير فجأة.
لكن يقف الإنسان اليوم ليتأمل نسخته القديمة، تلك التي عاش فيها أقسى لحظاته، ليجد نفسه الآن في مكان آخر لطالما كان مطلبا وطموحا، وربما حياة أكثر هدوءا واتزانا ورضا.
يحاكي تلك النسخة ليؤكد أن ما هو عليه اليوم لم يأت بمحض صدفة، بل كان استكمالا لرحلة صعبة تجاوزها بصبره وإرادته وعزيمته.
اضافة اعلان" أنت اليوم وأنت في المستقبل"، حوار يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، يجمع شخصية الإنسان في الماضي القريب وبين حاله الآن في العام 2026، ليكون بمثابة رسائل أمل وتفاؤل، ودعوة للنفس إلى أن الحياة محطات وأن القادم سيكون أفضل، بالمثابرة والجد والأمل.
على الرغم من ظهور الكثير من الترندات التي يسارع رواد مواقع التواصل إلى تكرارها والبحث عن مشاهدات، إلا أن هذا الترند لامس قلوب ومشاعر الكثير من الناس، كونه حقيقيا في كثير من تفاصيله، حين يخاطب الشخص نفسه: كيف كان، وإلى أين آل إليه الحال.
واللافت أن غالبية مقلدي هذا الترند، كانت مقاطعهم إيجابية وفيها تحد للظروف، يقدمون فيها صورة لحالهم قبل سنوات عدة، سواء أكانت تلك المقاطع حقيقية أو مولدة بالذكاء الاصطناعي، إلا أنها تحاكي مشاعر مر بها الشخص، تقلبت ما بين حزن وانكسار وخوف، تبعها اجتهاد وتحد، ومن ثم الوصول للمبتغى، وهنا تكمن الدعوة إلى الإيجابية والأمل واليقين بالمستقبل الأفضل.
" فكرة الفيديو عميقة وأرى فيها جزءا من مرحلة التعافي"؛ هكذا تقول آية، التي علقت على هذا الترند بأنه يبعث على الأمل والشعور بأن هناك فرصة للتحسن مهما مرت السنين، خاصة وأن نسبة كبيرة من هذه المقاطع بينت ذلك، وتعمد عدد كبير من رواد السوشال ميديا إلى إظهار التغير الإيجابي في حياتهم بصورة كبيرة.
فرصة ثمينة لدعم الصحة النفسيةالاختصاصية والمعالجة النفسية خلود الرفايعة، تقول حول هذا الترند" إن القلق في كثير من المرات يسرق منا لحظات كان من الممكن أن نعيشها بهدوء، والقلق من المستقبل أمر طبيعي، فالمستقبل بالنسبة لنا" مجهول"، وهذا بطبيعته يثير شيئا من الخوف، لكن المشكلة لا تكمن في وجود القلق، بل في أن نسمح له بأن يتحول إلى عبء يسرق منا حاضرنا ويعطل قدرتنا على العيش".
وتبين الرفايعة أن حياة الإنسان تمر عبر سلسلة مترابطة: ماض، حاضر، ومستقبل، ولكل منها طبيعته، ولكل منها طريقة مختلفة للتعامل معه، فالماضي، من اسمه" مضى"، أي أنه انتهى، مهما حمل من تجارب، مؤلمة كانت أم جميلة، فإنه لا يملك خاصية التعديل، ولا نملك نحن أمامه سوى التقبل.
والتقبل لا يعني الرضا عن كل ما حدث، بل يعني الاعتراف به كجزء من رحلتنا، والاستفادة منه من دون أن نبقى عالقين فيه.
أما فيما يتعلق بالحاضر الذي نعيشه الآن، فتقول الرفايعة إنه المساحة الحقيقية التي نملكها، إذ يرى علم النفس في اللحظة الحالية فرصة ثمينة لدعم صحتنا النفسية، فهي اللحظة التي نكون فيها" حاضرين" فعلا، قادرين على الاختيار، وعلى التغيير.
كما أن الحاضر يساعدنا على أن نملك صلاحيات أوسع، ونستطيع الاستفادة من خبرات الماضي، واختيار المسارات المتاحة، والبدء بخطوات صغيرة (بشرط الاستمرارية)، فهي قادرة على إحداث تغيير حقيقي.
التحكم بالمخاوف والأفكار السلبيةدعاء، التي قامت بتطبيق هذا الترند على حياتها أيضا، كتبت تقول: " يختصر هذا الفيديو قصتي مع المخاوف والأفكار السلبية التي كنت أعيشها بعد الطلاق، وقد تبين لي أن معظمها لم يكن سوى مخاوف وأفكار زرعها فينا المجتمع، لكن بفضل الله، كان في انتظاري مستقبل أجمل، والحمد لله على ذلك".
وقدمت دعاء، من خلال المقطع التمثيلي الذي قامت به، مقارنة بين ظروفها في العام 2016، وما هي عليه الآن، وبينت فيه أنها تخلصت من تلك المخاوف، وحياتها تغيرت بشكل كبير للأفضل، من خلال إيمانها بنفسها وقدرتها على التجاوز، ووجود الداعمين والمحبين من حولها.
ووجدت تلك المقاطع الكثير من المشاهدات بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل وقام الآلاف بتبادلها فيما بينهم، كنموذج لحالات مرت بظروف صعبة ومتفاوتة، ولكنها مرت عليهم بسلام.
وهنا، تتحدث مرام عن تجربتها التي تعاني منها حاليا، وهي شبيهة بتجربة أحد المشاهير الذين قاموا بتقليد هذا الترند، وتقول إنها تأثرت كثيرا ببعض تلك المقاطع، وتأمل الآن أن يأتي ذلك اليوم، الذي تقف فيه وقفة" المتخطي الذي تجاوز تلك المصاعب على خطى الآخرين".
لذلك، من خلال تلك المقاطع المتداولة، تبين الرفايعة أن المستقبل ما هو إلا مساحة مفتوحة قابلة لكثير من الاحتمالات، لا يمكننا التحكم به بشكل كامل، لكن يمكننا الاستعداد له، وهذا الاستعداد لا يكون بالخوف بل بالواقعية، وببناء توقعات منطقية وعقلانية، خاصة في ظل عالم افتراضي يعج بالمقارنات غير الواقعية وصور النجاح المثالية.
وربما لهذا السبب، انتشر موخرا على مواقع التواصل الاجتماعي ترند يقوم على حوار بين النسختين القديمة والجديدة من الذات؛ حيث يحاول الإنسان أن يطمئن نفسه بنفسه، بحسب الرفايعة، وهذا النوع من التعبير يعكس حاجة إنسانية عميقة للأمل، ولإعادة تفسير التجارب الصعبة بطريقة أكثر لطفا واحتواء، ولكن مع الانتباه إلى أن التفاؤل لا يعني إنكار القلق، بل فهمه وإدارته.
وتؤكد الرفايعة أن الإنسان المتوازن ليس من لا يشعر بالخوف، بل من يعرف كيف يتعامل معه من دون أن يستسلم له، ومن هنا تبرز أهمية ما يعرف بـ" المرونة النفسية" (Psychological Flexibility)، وهي القدرة على التكيف مع التحديات والتغيرات، ولا تعني غياب الصعوبات، بل تعني القدرة على مواجهتها بطريقة آمنة وواعية.
وتنصح الرفايعة أي شخص، لكي لا يتحول لديه القلق من المستقبل إلى عائق، بأن يركز على ما يمكنه التحكم به في الحاضر، وأن يتجنب المقارنات غير الواقعية، وأن يتعامل مع نفسه بلطف لا بقسوة، وأن يقلل من صوت الناقد الداخلي الذي يلومه على أخطاء ماض قد انتهى.
" المستقبل سيبقى مجهولا وهذا جزء من طبيعته، لكن المطمئن هو قدرتنا على الاستعداد له"، على حد تعبيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك