في الحروب، لا يبقى البيت على معناه المألوف في زمن السلم، حيث تتبدل وظيفته، ويتغير إيقاع الحياة داخله، وتُعاد صياغة علاقته بأهله وبمحيطه.
وفي الحرب اللبنانية، لم يقتصر التحول على الشوارع وخطوط التماس، لكنه امتد إلى داخل البيوت نفسها، حيث تحولت الغرف والممرات والزوايا إلى مساحات للنجاة وإدارة الخوف.
تشير شهادات وأعمال توثيقية إلى أن كثيرًا من اللبنانيين عاشوا داخل بيوتهم بوصفها" المساحة الوحيدة للأمان"، في ظل غياب ملاجئ مجهزة على نطاق واسع.
الحرب في تفاصيل البيت اللبنانيهكذا، لم يعد البيت مجرد مكان للسكن، لكنه أصبح جزءًا من منظومة الحماية اليومية، يعاد تنظيمه وفق معايير الأمان لا الراحة.
وفي الظروف الطبيعية، تُقسَّم الغرف بحسب وظائفها: نوم، معيشة، طعام، لكن في زمن الحرب، تغيّرت هذه القواعد.
صار موقع الغرفة داخل البيت، وسماكة جدرانها، وابتعادها عن النوافذ، عوامل حاسمة في تحديد قيمتها، حيث انتقلت الحياة اليومية أحيانًا إلى الممرات أو الزوايا الداخلية، حيث الإحساس النسبي بالأمان.
هذا التحول أعاد تعريف" الداخل" نفسه، إذ لم يعد فضاءً محايدًا، لكنه أضحى خريطة خطر مصغّرة داخل المنزل، تُحدّد فيها أماكن الاحتماء وفق تقديرات يومية للخطر.
ورغم ارتباط صورة الحروب بالملاجئ تحت الأرض، فإن هذا النموذج لم يكن متاحًا دائمًا في لبنان، حيث ابتكرت العائلات حلولًا بديلة: غرف داخلية، مواقف سيارات، أقبية، أو حتى زوايا محددة داخل المنازل.
فلم يعد الملجأ هنا بنية معمارية جاهزة، بقدرما أصبح وظيفة طارئة فُرضت على أجزاء من البيت.
وارتبطت النجاة بقدرة السكان على التكيف: اختيار المكان الأقل خطرًا، وتأمين الوصول إليه بسرعة، وتجهيزه بالحد الأدنى من الاحتياجات.
تركت الحرب التي اعتادتها الساكنة في لبنان وتكيّفت على أساسها تحولات عديدة لم تنته حتى مع انتهاء الحرب.
فإلى جانب الأضرار المادية، تغيّرت علاقة اللبنانيين بمنازلهم وأصبح البيت يُنظر إليه كملاذ وضمانة، لا مجرد مساحة للعيش.
كما انعكست الحرب على أنماط السكن والتوسع العمراني، حيث برزت اعتبارات الأمان والانتماء في اختيار الأماكن، ولم يكن ترميم الأبنية كافيًا لمحو آثار الحرب، التي بقيت حاضرة في الذاكرة وفي طريقة استخدام الفضاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك