بعد زيارة تاريخية إلى الجزائر، غادر البابا ليون الرابع عشر الأربعاء متوجها إلى الكاميرون ضمن جولة أفريقية تأخذه أيضا إلى أنغولا وغينيا الاستوائية.
تميزت جولته الجزائرية بمحطات عديدة، منها زيارة المسجد الكبير بالعاصمة وتنظيم قداسيين مفتوحين، الأول في كاتدرائية" السيدة الأفريقية" (بالعاصمة) والثاني في بازيليك أوغسطينوس بعنابة.
والتقى أيضا البابا بالرئيس عبد المجيد تبون الذي دعاه في أغسطس/آب 2025 إلى زيارة الجزائر.
والتقى الحبر الأعظم بالجالية المسيحية الصغيرة المتواجدة بالجزائر وبعدد كبير من الجزائريين.
وحظيت هذه الزيارة، الأولى من نوعها إلى الجزائر، بتغطية إعلامية دولية واسعة سمحت للجزائر، حسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنيف حسني عبيدي، بتلميع صورتها في العالم وتسويق قيم حوار الأديان والثقافات.
وقال عبيدي لموقع فرانس24 إن" الزيارة البابوية عادت بالنفع على الجزائر".
فرانس24: كيف تقيم زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر؟الحصيلة تبدو إيجابية جدا، إذ خصص البابا زيارته الأولى إلى دول الجنوب للجزائر.
وهو بلد ذو أهمية جيوسياسية وتاريخية كبيرة لكونه يتوسط القارة الأفريقية وأوروبا.
كما أنه يحمل إرثا عميقا مع الديانتين المسيحية والإسلامية على حد سواء.
وهذه النقطة تحديدا هي الأهم، إذ إن اختيار البابا لبلد ذي أغلبية مسلمة يهدف إلى إبراز أن رسالة يسوع والحبر الأعظم الجديد تتجاوز الانتماءات الدينية الضيقة.
إنها زيارة ناجحة على مستويات متعددة.
ماهي الرسائل الأساسية التي بعث بها البابا من الجزائر؟الرسائل التي وجهها البابا عديدة.
في المقدمة، شدد على ضرورة ترسيخ السلام.
وقد كان اختياره الجزائر كوجهة أولى مدركا لما عرفه هذا البلد من حروب وتوترات عبر تاريخه.
كما أولى اهتماما خاصاً للسلام على المستوى الدولي، والدليل على ذلك رده على تصريحات دونالد ترامب قبل انطلاق زيارته إلى الجزائر.
ومن جهة أخرى، ركز البابا على السلام باعتباره ركيزة أساسية لضمان التماسك الاجتماعي بين الشعوب.
وفي اعتقادي، فإن الرسالة الثانية الأبرز تتمثل في دعوته إلى المصالحة.
وهي رسالة قوية وجهها إلى الشعب الجزائري كي يتصالح مع تاريخه العميق والمتنوع، فضلا عن إعادة الاعتبار للإرث المسيحي.
ما هي المنافع السياسية والدبلوماسية التي جنتها الجزائر من هذه الزيارة؟المكاسب السياسية التي حققتها الجزائر من هذه الزيارة متعددة وذات دلالة.
فقد بعثت الجزائر عبرها برسالة واضحة مفادها أنها ليست بلدا منغلقا على هويته العربية الإسلامية، ولا يعيش قطيعة مع محيطه الإقليمي كما تصوره بعض السرديات المنحازة والمتشددة.
وقد جاءت زيارة البابا كافية لتدحر الصور السلبية والسرديات المسبقة التى كانت تسوق ظلما ضد الجزائر.
اقرأ أيضاالبابا ليون الرابع عشر في الجزائر: أي دلالات سياسية؟كما أن مشاهد الانسجام والوحدة التي عكستها مدينة عنابة تؤكد أن الجزائريين لا يخشون الاعتراف بجذورهم التاريخية العميقة، وأنهم شعب متسامح ومنفتح على العالم والآخر.
هل من شأن هذه الزيارة أن تساهم بطي صفحة" العشرية السوداء" التي مرت بها في تسعينيات القرن الماضي؟من الصعب طي صفحة الماضي بشكل نهائي، على الرغم من أن قانون المصالحة الوطنية قد تم تمريره رسميا وأنهى سنوات الإرهاب والعشرية السوداء.
غير أن زيارة البابا يجب أن تكون بداية لمسار أوسع من المبادرات، خصوصا تلك المرتبطة بالذاكرة الجماعية.
السلطات الجزائرية أرادت من خلال هذه الزيارة التأكيد على قدرتها على إبراز وجه آخر من تاريخ البلاد.
أما فيما يخص العشرية السوداء، فقد تمكنت الجزائر من تجاوز مرحلة العنف والإرهاب.
غير أن بعض الآثار ما تزال قائمة، وهي آثار طبيعية في ظل عدم فتح ملف المحاسبة القضائية، وهو خيار لم تكن البلاد مهيأة له أصلا.
يجب دعم و تعزيز قانون المصالحة الوطنية عبر مزيد من التماسك الاجتماعي وحرية الرأي والتعبير والإعلام وبناء مؤسسات قوية.
ما الذي يتوجب فعله لترسيخ فكر القديس أوغسطينوس في الجزائر؟يُعد فكر أوغسطينوس، في جوهره، ملكا للجزائر قبل أن يكون ملكا لأي بلد آخر.
فهو ابن هذا الوطن الذي يعتز به.
الجزائريون أظهروا بأنهم كانوا يحتاجون إلى أخبار سارة.
فوجدوها في العودة إلى التاريخ القديم لهذا البلد.
زيارة البابا أسهمت في إعادة إحياء حضور أوغسطينوس، وجعلته أكثر شهرة ومصدرا لفخر الجزائريين.
ومن الضروري إدراج فكره ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، مع تنظيم زيارات ميدانية إلى المواقع الأثرية لإبراز قيمته ومسيرته الفكرية.
وقد شكلت زيارة البابا نقطة انطلاق لهذا التوجه.
لماذا انتقدت بعض الدوائر الفرنسية زيارة البابا للجزائر؟لم تُخفِ بعض دوائر الطبقة السياسية الفرنسية، إلى جانب عدد من الفرنسيين، امتعاضها من زيارة البابا إلى الجزائر، وذلك لرغبتها في الحفاظ على الصور النمطية المسبقة تجاه هذا البلد.
ومن أبرز هذه الصور أن الجزائر دولة معادية لفرنسا وتعيش توترات مع عدد من الدول الأخرى.
غير أن الواقع الدولي يثبت أن كل الدول لها خلافاتها ومشاكلها.
واليوم، يتضح جليا أن الجزائر ليست في حالة حرب، وليست بلدا معزولا.
وقد ساهمت زيارة البابا في تفكيك هذه الصور النمطية، الأمر الذي أثار اعتراض بعض الصحافيين وكتاب الافتتاحيات.
نحن معتادون على ذلك.
هل ينبغي للجزائر أن تستثمر في زيارة البابا؟يتعين على الجزائر إعادة النظر في الطريقة التي تقدم بها صورتها في الخارج.
فزيارة البابا، إلى جانب طابعها التاريخي، فتحت المجال أمام الجزائريين لإعادة قراءة تاريخهم من زاوية مختلفة، ودفعتهم إلى طرح تساؤلات عميقة حوله.
كما أبرزت هذه الزيارة قدرة الجزائرعلى توظيف أدوات القوة الناعمة في علاقاتها الدولية.
والجزائريون مستعدون للانخراط في نقاشات حول التاريخ والقيم الإنسانية مع مختلف الأطراف، شريطة احترام ثقافتهم وهويتهم.
ومن المهم تجديد مثل هذه المبادرات والانفتاح على ثقافات أخرى.
هل يجب أن تطلق الجزائر مبادرة تجاه الديانة اليهودية؟البلد ليس منغلقا، إذ توجد ديانات أخرى في الجزائر، من بينها الديانة اليهودية.
ويُذكر في هذا السياق كيف كان الممثل روجيه أنان يرغب في أن يُدفن في الجزائر.
وعلى البلاد أن تبرز أيضا إسهامات شخصيات ووجوه أخرى، سواء كانت جزائرية أو أجنبية.
كما ينبغي فتح المجال لزيارات أخرى، مثل تلك التي ترغب في القيام بها الجالية اليهودية، والسماح لمن يريد العودة إلى بلده الأصلي بالقيام بذلك وتسهيل إجراءات قدومه، لأن ذلك من شأنه أن يُحسّن صورة الجزائر في العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك