بقلم: د.
شيخة ضاعن الراشديتُشكّل الأسرة الركيزة الأولى التي يقوم عليها بناء المجتمع، فهي البيئة التي تتكوّن فيها شخصية الفرد، وتُغرس فيها القيم والمبادئ التي تُوجّه سلوكه وتحدد مساره في الحياة.
ومن هذا المنطلق، جاء إعلان عام 2026 عامًا للأسرة تحت شعار “نماء وانتماء”، بناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظه الله، ليجسّد رؤية قيادية واعية تُعلي من مكانة الأسرة، وتؤكد دورها المحوري في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
ولا يُعد هذا الإعلان مجرد شعار رمزي، بل هو توجه استراتيجي يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية الأسرة في مواجهة تحديات العصر، ودعوة صادقة لإعادة ترتيب الأولويات داخل البيوت، وتعزيز الروابط الإنسانية التي قد تتأثر تحت ضغط الحياة وتسارع إيقاعها.
ففي ظل التحولات المتسارعة، أصبحت الحاجة ملحّة إلى ترسيخ قيم التواصل الفعّال، وتعزيز الاحترام المتبادل، وبناء جسور التفاهم بين أفراد الأسرة.
وفي هذا السياق، يبرز فكر القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أولى الأسرة مكانة مركزية في رؤيته لبناء المجتمع، حيث أكد أنها أساس المجتمع واللبنة الأولى في بنيانه، ومصدر سعادته وتقدمه ونمائه.
كما اعتبرها مصنع الأجيال، والأساس المتين لتكوين رأس المال البشري، مشددًا على أن قوة المجتمع واستقراره تنطلق من قوة الأسرة وتماسكها، وأن مسؤولية بنائها وتنميتها مسؤولية وطنية مشتركة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يسلّط “عام الأسرة” الضوء على أهمية قضاء وقت نوعي مشترك يُعيد الدفء إلى العلاقات الأسرية، بعيدًا عن هيمنة التكنولوجيا وضغوط العمل، حيث تسهم لحظات التفاعل الحقيقي في بناء الثقة وتعزيز الانتماء.
كما يتعزز دور المؤسسات الحكومية والمجتمعية في دعم الأسرة، من خلال برامج توعوية وخدمات إرشادية تُسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.
وتظل الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الأبناء القيم الأصيلة، كالمسؤولية والانتماء والتسامح، وهي القيم التي تُشكّل أساس المواطن الصالح.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الأسرة يُعد استثمارًا مباشرًا في مستقبل الوطن، ويتجلى دور كل فرد فيها بوصفه عنصرًا فاعلًا في تحقيق التماسك؛ فالأب قدوة، والأم صانعة أجيال، والأبناء ثمرة هذا البناء القيمي.
ويحضر هذا المعنى في صورةٍ أدبية راقية من خلال أبياتٍ شعريّة من تأليفي، وهي:إذا الأُسَرُ قامتْ على الودِّ والتُّقىفكلُّ بيوتِ الناسِ بالعِزِّ تُعمَرُوما المجدُ إلا في اجتماعِ قلوبِناإذا افترقوا القلوبُ ضاعتْ مبادئُهم وتُهدَرُأطِعْ والديكَ، واجعلِ اللينَ مذهبًافخيرُ البرايا من بحُسنِ الخُلقِ يُذكَرُولا تُلهِكَ الدنيا بزخرفِ زينةٍفأهلكَ أولى، والزمانُ مُغيِّرُتعهَّدْ صغيرَ القومِ علمًا ورحمةًفذاك غدُ الأيامِ، فيه المُصوَّرُوصِلْ أرحامك، ففي الوصلِ رفعةٌومن يقطعِ الأرحامَ بالخسرِ يُؤسَرُإذا دارَ في البيتِ الحوارُ مُودَّةًتبدَّدَ ما بينَ النفوسِ ويُغفَرُفخذْ من “عامِ الأسرةِ” النورَ منهجًافبالأُسرِ يُبنى المجد ويُفخَرُإنّ البيوتَ حصونُ قومٍ إن أُسِّستْفلا ريحَ يهزُّها، ولا ليلٌ يُسقِطُهاوفي خضم هذه المعاني، تتجلّى أهمية بناء بيئة أسرية صحية تقوم على الحوار المفتوح، حيث يشعر كل فرد بقيمته، ويجد مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره في إطار من الاحترام والتقبّل.
كما أن تعزيز المسؤولية المشتركة داخل الأسرة يُسهم في تنمية روح التعاون والانتماء، ويُرسّخ الشعور بأهمية الدور الذي يؤديه كل فرد داخل هذا الكيان.
ومع تسارع التطور التكنولوجي، تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن دقيق بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تكون وسيلة لتعزيز الترابط أو سببًا في التباعد، وذلك بحسب كيفية توظيفها داخل الأسرة.
ومن هنا، تبرز أهمية ترسيخ العادات الإيجابية مثل اللقاءات العائلية المنتظمة، والمشاركة في الأنشطة المشتركة، والاحتفاء بالإنجازات مهما كانت بسيطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك