ينتشر نعت «ثقافوي» في الكتابة العربية المعاصرة، وبعض النصوص الغربية ذات الطابع اليساري، بوصفها نظيراً لتهمتين: الاختزالية والعنصرية.
تأتي الاختزالية من الاتهام بأن «الثقافويين» يختزلون العناصر التحليلية المعقدة كافة في عامل ثقافي أحادي، ومن هنا فإن الواو في لفظ «ُثقافوية» تعني التفسير الزائف بالثقافة، وليس ترجمة للاحقة ism- التي تشير إلى المنهج، أو النزعة أو النظرية أو الأيديولوجيا، فـ»الثقافوية» هي نزعة ثقافية زائفة، وبالتالي النعت مصمم أساساً بوصفه نوعاً من الاتهام والشتيمة الأيديولوجية؛ أما العنصرية فتأتي من اتهام «الثقافويين» بأنهم يعتبرون ثقافة الشعب، أو الجماهير، أو المهمشين، أو السكان الأصليين، دونية، وهي سبب مشاكلهم، وليس العوامل المادية (مثل الاستعمار والإمبريالية والبنى الاقتصادية) وبمجرّد تغيير الثقافة سيتغيّر حال الناس.
لا نعرف بالضبط كيف صارت «الثقافوية» Culturalism مفردة سلبية بهذا الشكل، فاللاحقة -ism تشير إلى نظريات ومناهج شديدة الأهمية منذ عصر التنوير، تمايزت عن النزعة الطبيعية Naturalism، من دون التناقض معها بالضرورة، فالثقافوية ترى الإنسان بوصفه كائناً ثقافياً، متمايزاً عن الطبيعة المادية، ينتج عالمه الاجتماعي ضمن شبكات من الرمز والمعنى والتواصل، وبالتالي فلا يمكن إسقاط المقولات والعلوم الطبيعية عليه، أو تفسير الظواهر الاجتماعية بمبادئ بيولوجية، أو فيزيائية أو كيميائية بحتة، وإذا كانت النزعة الطبيعية التنويرية قد ركّزت على فكرة أنه «لا شيء خارج الطبيعة» وقوانينها، أو مفارقاً لها، فإن النزعة الثقافوية التنويرية، في كثير من الأحيان، لا ترفض هذا على الإطلاق، بل تعتبر الثقافة الإنسانية مستوى آخر من الوجود الطبيعي، ولكنها فقط ترفض اختزاله إلى مقولات «مادية» فيزيائية بحتة، كما أن تركيزها على الثقافة لا يعني أنها تختزل المجتمع بالعوامل الثقافية الواعية، بل تعترف بالبنى، والإكراهات المادية، والصراعات الطبقية، ولكنها تشدد على أن الإنسان يعيش كل هذا من داخل شبكة ثقافية ورمزية، ولديه وعي وممارسة وأداء يؤثّر على البنى والعوامل المادية، إذ لا يمكن لأي مؤسسة أو بنية أن تعمل على البشر، وكأنهم مجرّد كتل مادية يتم تحريكها بشكل ميكانيكي، فضلاً عن أن المؤسسات والبنى منتج بشر ذوي ثقافة في نهاية المطاف، أنتجوها ضمن ظرف مادي وطبيعي بالتأكيد، ولكن أيضاً ضمن تصوّر ما عن التواصل والمعنى.
ثم مَنْ قال إن «الثقافة» نفسها ليست مادة؟ تحديد هذا يعود لتعريفنا الميتافيزيقي للمادة، فإن كنّا من أنصار نزعة ثنائية ميتافيزيقياً (ثنائية مادة وروح) فربما لن نعتبرها كذلك، ولكن ضمن النزعات الواحديّة ميتافيزيقياً، ومنها الفلسفات المادية المعاصرة، فالثقافة جانب من مستوى وجودي واحد، يشمل الطبيعة الفيزيائية والممارسات الثقافية والاجتماعية.
بهذا المعنى فكارل ماركس نفسه «ثقافوي»، خاصة أنه كان يرى نفسه قد مدّ مجال «العلميّة» إلى المجتمع والتاريخ، وتفسير الوعي البشري ودوره الاجتماعي، ولكن بأدوات ومفاهيم مناسبة لهذا المستوى، مغايرة للفيزياء والبيولوجيا وغيرها، واعتبره تلاميذه اللاحقون «مكتشف قارة التاريخ»، بعد داروين، الذي «اكتشف قارة الطبيعة الحيّة».
فضلاً عن هذا فإن «الثقافوية» تشير إلى مناهج شديدة الاحترام أكاديمياً، مثل «المدرسة الأنثروبولوجية الثقافوية الأمريكية» (من أعلامها فرانز بواس ومارغريت ميد)، وهي من المدارس الكلاسيكية في الأنثروبولوجيا، التي تدرّس في معظم أكاديميات العالم؛ و»مدرسة ماربورغ» الألمانية، أو «الثقافوية المنهجية»، وهي منهج فلسفي معاصر، يهتم خاصة بفلسفة العلوم، يعرّف نفسه بوصفه منهجاً نقدياً، في مواجهة النزعة الطبيعية الاختزالية من جهة، والنزاعات ما بعد الحداثية وبعد البنيوية من جهة أخرى؛ فضلا عن عمل المفكر البولندي-الأمريكي فلوريان زنانييتسكي، مؤسس الثقافوية السوسيولوجية، الذي أكد أن «الواقع الاجتماعي دائماً ذو معنى»، وبالتالي فلا يمكن دراسة الظواهر الاجتماعية، إلا كما تُعاش وتٌفهم من قبل الفاعلين أنفسهم، ويجب فهمها من داخل المعاني التي يعطيها الناس لها.
في كل الأحوال، «الثقافوية» أعقد بكثير مما يظن مَنْ حولوها إلى شتيمة، أو بالأصح، فإن استخدامهم الحالي للمفردة، وتحويلها إلى تهمة، تُطلق على أي منهج لا يوافقهم، من دون أي تحديد أو ضبط مفاهيمي، جعلها معنى شاسعاً، يمكن أن يُلصق بأي شيء، وبالتالي فقد معناه وقدرته التحليلية.
الثقافوية تاريخياً ليست اختزالاً للعوامل الاجتماعية والمادية، بل منهج تأسيسي في معظم العلوم الاجتماعية المعاصرة منذ عصر التنوير، أما الحديث عن اختزال بالوعي والثقافة والخطاب، فهو كثيراً ما يكون نتيجة قراءة خاطئة لدى من يتراشقون الاتهامات بـ»الثقافوية»، ترى أن أي تحليل للثقافة يفترض «الاختزال» بها حتماً؛ أو ربما تكون نتيجة اختزال مضاد، جبري النزعة، يرى أن كل الفعل الإنساني محسوم سلفاً ببنى «مادية» سابقة عليه، ولا معنى فيه للوعي والممارسة والأداء والمعنى والتواصل، ولا ندري بالفعل لماذا يمارس هؤلاء العمل السياسي والثقافي أصلاً إذا كانوا مقتنعين بهذا، هل فقط لشرح الجبريّة لأجل التسليم بها؟ عندها غالباً لن يكونوا سوى مبررين أيديولوجيين لأوضاع وسلطات وممارسات وبنى قائمة، أو ربما مجرد ملحقين بحركات سياسية قائمة، يريدون تحصين فعلها من النقد.
يبقى الاتهام بالعنصرية، وهو غالباً مستمد من أصل غربي أيديولوجي، يرى «الثقافوية» نقيضاً لـ»التعددية الثقافية»، أي يشير إلى أفكار اليمين الغربي، الذي يتحدّث عن ثقافة أحادية ساكنة، يجب تحصينها من الغرباء والمهاجرين والأقليات، وضرورة الحفاظ على «الجذر المسيحي/اليهودي»، أو «اليوناني/الروماني» للحضارة الغربية، واعتبار الثقافات الأخرى بدورها كتلاً أحادية مصمتة لا تتغيّر، وأدنى من الحضارة الغربية الأحادية، وهنا لم نخرج من «الثقافوية» بالمعنى الواسع المبتذل، بمعنى أن الطرفين، اليميني واليساري المناصر لـ»التعددية»، «ثقافويان»، لأنهما يمنحان أهمية بالغة لصراعات الهوية والثقافة في المجتمع، ولكن يختلفان بفهم طبيعة الثقافة، والموقف من التعددية والمساواة والتغيير الثقافي.
ربما تحوي الجبريّة، المعادية لـ»الثقافوية»، عناصر مشابهة للفهم اليميني الغربي لـ»الثقافوية»، فهي عندما تنكر الإمكانيات المتعددة للوعي والفعل، استناداً إلى «بنى مادية» مزعومة، تقع في نوع من الحتمية الثقافية الأحادية؛ كما أنها تنكر «تعددية الثقافات» المتصارعة في المجتمع، وتفترض ثقافة واحدة، إذ توجد ثقافة لـ»الشعب»، «يجب عدم الاستعلاء عليها»، لأنها نتيجة ظروف ومعاناة، ونقدها، أو السعي لتغييرها فعل معادٍ وعنصري، وربما نوع من المؤامرة، سواء قيل هذا بصراحة، أو اعتُبر نوعاً من «الاستشراق»، أو «المركزية الغربية»، وبالتالي يجب الدفاع عن ثقافة الشعب المهمّش والأصلي، وتبرير مساوئها بـ»ردّات الفعل»، نتيجة مظلومية ما.
تجمع هذه النزعة بين الطبيعية (أو «الطبيعوية» إذا استخدمنا طريقتها في رسم الألفاظ) وبين الاختزال الثقافي اليميني («الثقافوية» بالمعنى الأيديولوجي السلبي)، فهي تعتبر الثقافة مُنتجاً حتمياً لعوامل أخرى من جهة، وترفض رؤية الصراعات المؤدّية للتغيير الثقافي، ما يجعلها قريبة من «عرقنة الثقافة»، أي اعتبار عناصر ثقافية معيّنة أقرب لسمات عرقية ثابتة، مثل لون الجلد وتكوين الجمجمة، التعرّض لها نوع من العنصرية.
ربما لا يمكن فهم كل هذا إلا بكثير من «الثقافوية»، أي دراسة هذه النزعات ضمن شبكات المعنى والرمز والخطاب، التي تحدد وعي المتكلّمين هؤلاء، في تعاملهم مع عالمهم المادي وبناهم الاجتماعية، والتي تجعلهم فاقدين تماماً للسيطرة على إنتاج عالمهم الاجتماعي، وإنما مجرّد مبررين لحتمياته.
لماذا بالفعل كل هذا الرفض من قبلهم لـ»الثقافوية»؟يرتبط شتم «الثقافوية» عادةً بمقولات أخرى، يمكن اعتبارها نمطاً غريباً من «الطبيعوية»، ومن أشهرها «ثقافة الناس» التي يجب عدم التعالي عليها؛ و»السكان الأصليون» الذين يعانون من الكولونيالية والرجل الأبيض؛ وفرز دول المنطقة إلى «جيران طبيعيين» وكيانات مصطنعة.
وهي مقولات منتشرة في الخطاب الناشطي المعاصر، وغريبة من ناحية أنها لا تملك أي أصل منهجي، حتى لدى المفكرين الذين تنسب الناشطية نفسها إليهم (مثل ميشيل فوكو، أعلام مدرسة «ما بعد الاستعمار»، والنسوية التقاطعية، والبنائية الاجتماعية، إلخ)، إذ وفق أي منهج أو علم اجتماعي معاصر، يمكننا الحديث عن «ناس»، بوصفهم كتلة ذات ثقافة واحدة؟ (المفردة غالباً تخفيف لفظي معاصر لمفاهيم مثل «الشعب» و»الجماهير»، وهي بالتأكيد ليست موجودات طبيعية، بل مفاهيم سياسية مبنية أيديولوجياً واجتماعياً).
وكيف يمكننا تحديد «أصليّة» أي كتلة سكانية؟ ثم هل توجد «دول طبيعيّة» أصلاً؟ أليست الدولة بحد ذاتها، فما بالك بالدول القومية الحديثة، بأجهزتها وقوانينها وأساطيرها ووظائفها، نموذجاً للاصطناع؟استعادة مجال «الطبيعي»، ليس فقط بوصفه مقولة تحليلية، بل أيضاً حكم قيمة إيجابيا ومتفوّقا، في مواجهة «المصطنع»، لا ينتمي إلى عالم الدراسات النقديّة، سواء كانت حداثية أو ما بعد حداثية، بنيوية أو ما بعد بنيوية، وغالباً لا ينتمي بالأصل إلى عوالم اليسار الاجتماعي، بل يمكن تتبع جذور أوضح له في فلسفات اليمين، والنزعات الرومانسية القومية، وهي جذور لا تبعث على كثير من الطمأنينة.
في النزعات الرومانسية القومية، يبرز «الطبيعي»، المرتبط بالبيئة، والشعب، بل حتى الثقافة والإنتاج «الطبيعيين»، بوصفه قيمة متفوّقة، في مقابل عالم التجريد والاصطناع، المرتبط غالباً بالرأسمالية والحداثة.
تستشعر تلك النزعات بوضوح التجريد الكبير في العالم الرأسمالي، ودوره في استغلال وقمع البشر، مثل المال نفسه، بوصفه تجريداً للقيمة؛ والاقتصاد المالي والربوي؛ والعمل المجرّد الذي يُقاس بزمن ميكانيكي (ساعات العمل)؛ والتقنيّة بوصفها تجريداً للطبيعة إلى «موارد»؛ وغيرها من التجريدات التي تصنع عالمنا المعاصر، إلا أنها لا تستطيع مواجهتها بوصفها نظاماً مجرّداً، بل تحتاج إلى تجسيد أو «فيتيش» لها، قادر على التعبئة واستثارة عواطف «الشعب»، وهذا الفيتش هو غالباً فئة أو عرق ما، اليهود كانوا فيتيشاً مهماً، لدورهم في النظام المصرفي، وفي أيامنا يوجد مثلاً الـ»1% المهيمنون على الاقتصاد العالمي».
قد يكون الفيتيش دولة، أو نطاقاً حضارياً (الغرب مثلاً)، أو حتى تحديداً عرقياً/جندرياً مثل «الرجل الأبيض».
في كل الأحوال تقوم هذه النزعات بعملية مزدوجة: وعي التجريد، ثم تجسيده بمظهر معيّن من مظاهر النظام، يُصبُّ عليه كامل الغضب، فتقوم بتذويت النظام (تحويله إلى ذات) وهو ما بيّنه بتفصيل كبير المفكر الكندي موشيه بوستون.
من ناحية أخرى، لا ترفض تلك النزعات التجريد، فهي لا تقوم إلا عليه، فمفهوم «الأمة» و»الشعب» و»الطبيعي» نفسه، كلها تجريدات كبيرة، تتسم بالأحادية الشديدة، ونزعة التفوّق على الفيتيش المشيطن، نظرأ لكونها مرتبطة بقيمة طبيعيّة، منها الأرض، وسمات مستقرة في الجسد (العرق أو الثقافة المعرقنة)، واقتصاد «طبيعي»، متفوّق على الربوية والنزعة المالية (حسب الادعاء الشعبوي) ما يصنع «روحاً» متفوقة للشعب، الذي ما عليه إلا أن يجتث «الورم السرطاني» من جسد الأمة الطبيعي.
يُصبح الفيتيش المصطنع هنا أمراً دخيلاً على تجريد «الطبيعي»، وهكذا تصبح البوصلة الأيديولوجية شديدة الوضوح.
ولا ترفض تلك البوصلة التقنيّة، أو العقلانية الأداتية، أو النزعة الصناعية/العسكرية، أو الصواريخ والأبراج المنتصبة، بل تحاول استخدامها على أفضل وجه، ما دامت تحت قيم الأمة الطبيعية المتفوّقة على الكيانات المصطنعة، المنفصلة عن القيمة.
إنها أيديولوجيا معقدة، حتى لو كانت غير متسقة منهجية، ولا ندري كيف تسرّبت بهذه الحدة إلى الناشطية المعاصرة، التي تحتفي بـ»الأصليين» و»الدول الطبيعية»، ويمكننا أن نفهم رفض تلك الأيديولوجيا لـ»الثقافوية»، التي لا تعترف كثيراً أو قليلاً بـ»الطبيعي» الذي تبني على أساسه تجريداتها، مثل الأمة والشعب والدول الطبيعية والسكان الأصليين وثقافة الناس.
بناءً عليه، فالحديث عن «ثقافوية» في مقابل «لا ثقافوية» (سواء ادعت أنها ماديّة أو بنيوية أو أي شيء آخر) ليس أكثر من إشاعة كاذبة، هدفها الحفاظ على «الأصيل» و»الشعبي» و»الأمة» بوصفها معطيات طبيعية، فيما يعمل التحليل المادي والبنيوي والأيديولوجي والثقافي واللغوي والمنطقي على تفكيك كل هذه المفاهيم والتجريدات غير المتقنة، ما يجعله، بنظر المؤمنين بتلك التجريدات، «ثقافوية»، لأنه ينال مما يحاولون تقديمه بصفة «الطبيعي».
هذا أحد التعريفات الأبسط للظلامية، فإذا كان كل من النزعة الطبيعية والثقافية مرتبطتين بعصر التنوير، فهما كانتا بالبدء غوصا في «الظلامية»، أي محاولة لنقد الهرميات الاجتماعية، والمعارف السائدة، التي قدّمت نفسها بوصفها بياناً وشرحاً لأمر إلهي، يحدد طبائع وجوهر كل الأشياء؛ إضافةً للهلاوس والخرافات، التي ارتبطت بالمفاهيم البدائية عن ذلك الأمر الإلهي، وهذا قريب من الجبريّة المعاصرة، التي تؤكّد أن كل مفاهيمنا عن الأمة، ومعاركها الدائمة في سبيل استئصال العدو الفيتيش، أمور طبيعية، وبديهيات غير قابلة للنقد والتفكيك، مع كثير جداً من الهلاوس.
ربما ليست تلك «الأمة»، بأوطانها وأممها وشعوبها، أكثر من كيانات مصطنعة، لا بد من الخوض في ظلامها، وفهم بناها، وتراتبياتها، وعلاقاتها السلطوية، ونظامها للمعنى (أو اللامعنى)، وهلاوسها، وآليات صناعة الثقافة فيها، لفهم أوضاعنا، وربما تغييرها، بدلاً من خطاب الضحية، وتجسيد الأزمات البنيوية في العدو الشرير.
قد تكون هذه الخطوة الضرورية واللازمة، لمواجهة كل المظالم، ومنها الاحتلال، والاستغلال، والقمع، وغيرها من تركيبات معقدة، وإيجاد آفاق أبعد من انتصار الأمة المتفوّقة على أعدائها، وهذه الآفاق قد تكون قريبة من مشاريع السلام الدائم، التي طُرحت في عصر التنوير أيضاً.
بالطبع أنتج التنوير أساطيره، بل ربما لاهوته الخاص، فضلاً عن أيديولوجيات شديدة التوحّش، ولكنه احتفظ دوماً بالقدرة على النقد، بما في ذلك نقد العقل والذات، بل ونقد التنوير نفسه؛ فيما يبدو العالم النظري لـ»اللا ثقافوية» المعاصرة شديد التبسيط والتجريد في الوقت نفسه: هناك الطبيعيون، الأصليون، الضحايا والمهمّشون (عالم الطبيعي) في «ردة فعل» لا تنتهي على فاعل أولى شرير، مثل الاستعمار والإمبريالية والرأسمالية (عالم المصطنع)، وربما الحل هو استئصال العالم الثاني، بعد تجسيده في ذوات وأعراق معيّنة، لتعود الطبيعة إلى مجراها، والنقد هو فقط نقد العدو، وأي رفض لهذه الميثولوجيا الضعيفة «ثقافوية».
ربما لم يعد لهذا الجدل معنى، ولا جدوى من إثبات شيء لرافضي «الثقافوية» باللغة العربية، إذ يبدو أن اللغة المعاصرة فقدت كثيراً من وظائفها التواصلية، ونحن نعيش في عوالم منفصلة، من دون أن نلحظ مفاهيم قابلة للتحديد والضبط والتفحّص، أو معايير مشتركة.
هناك الآن مثلاً من يظنون أنهم يشهدون تحرراً وطنياً، أو «نصراً إلهياً»، والأفضل أن نتركهم لنصرهم وتحررهم وإلهياتهم وأوطانهم، ونعود إلى «ثقافويتنا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك