دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيّز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس/الجمعة بعد تصعيد عسكري دامٍ استمر لأسابيع، وأسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في لبنان.
وجاء الإعلان عن الهدنة على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كشف عن اتصالات مباشرة أجراها مع كل من الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيراً إلى أن الطرفين وافقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، يبدأ عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (التاسعة ليلاً بتوقيت غرينيتش)، أي منتصف الليل بتوقيت بيروت والقدس.
وأوضح ترامب لاحقاً أن هذه الخطوة قد تمهّد لاجتماع مرتقب بين عون ونتنياهو في البيت الأبيض خلال أيام قليلة، وهو ما قد يشكّل، في حال حدوثه، أول لقاء على هذا المستوى بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1948، رغم حالة الحرب الرسمية بين البلدين.
وسبق إعلان الهدنة بيومين عقد لقاء مباشر بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في أول محادثات من هذا النوع منذ عقود، حيث تم الاتفاق على إطلاق مسار تفاوضي مباشر يُحدَّد موعده لاحقاً.
أعلن حزب الله التزامه بوقف إطلاق النار، لكن بشروط واضحة.
وقال النائب إبراهيم الموسوي لـ" فرانس برس" إن الالتزام سيكون" بحذر"، مشدداً على ضرورة أن يكون" وقفاً شاملاً للأعمال العدائية، وألا تستغله إسرائيل لتنفيذ عمليات اغتيال، مع تقييد تحركات الجيش الإسرائيلي في المناطق الحدودية".
وقبل الإعلان عن وقف إطلاق النار، جدّد حزب الله تنديده بالتفاوض المباشر بين إسرائيل ولبنان.
ووصف النائب حسين الحاج حسن لـ" فرانس برس" هذا المسار بأنه" خطيئة كبيرة"، داعياً الحكومة اللبنانية إلى وقف ما اعتبره" مسلسل تنازلات" لصالح واشنطن وتل أبيب.
أما نتنياهو، فأكد أن إسرائيل وافقت على هدنة مؤقتة لمدة عشرة أيام، لكنها ستحتفظ بـ" منطقة أمنية" بعمق عشرة كيلومترات داخل جنوب لبنان، واضعاً شرطين لأي اتفاق دائم: نزع سلاح حزب الله، والتوصل إلى سلام" يقوم على القوة"، وفق تعبيره.
وثيقة الاتفاق كما نشرتها الخارجية الأمريكيةمن جانبها، نشرت الخارجية الأمريكية الاتفاق القاضي بوقف إطلاق النار.
وينص الاتفاق على إمكانية تمديد الهدنة باتفاق متبادل إذا أُحرز تقدم في المفاوضات وأثبت لبنان قدرته على فرض سيادته، مع تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية، دون أن يشمل ذلك تنفيذ عمليات عسكرية هجومية داخل الأراضي اللبنانية.
وبموجب الاتفاق، تلتزم الحكومة اللبنانية، بدعم دولي، باتخاذ خطوات لمنع أي هجمات من جانب حزب الله أو أي جماعات مسلحة أخرى ضد إسرائيل، مع التأكيد أن الجيش اللبناني يتحمل المسؤولية الحصرية عن الأمن والدفاع في البلاد.
كما يدعو الاتفاق إلى استئناف مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية بين الطرفين لبحث القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود، بهدف التوصل إلى تسوية دائمة تضمن الأمن والاستقرار.
خروقات ميدانية منذ الساعات الأولىرغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، سُجّلت خروقات ميدانية.
وأعلن الجيش اللبناني رصد" اعتداءات إسرائيلية" بعد أقل من ساعة على بدء الهدنة، فيما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بقصف مدفعي استهدف بلدتي الخيام ودبين، إلى جانب تحليق مكثف للطائرات المسيّرة.
وردّ حزب الله بإعلانه استهداف تجمع لجنود إسرائيليين قرب الخيام، في حين دعا الجيش الإسرائيلي سكان جنوب لبنان إلى عدم التوجه جنوب نهر الليطاني حتى إشعار آخر.
وكانت الضربات الإسرائيلية قد دمّرت خلال الأيام السابقة عدداً من الجسور الرئيسية على نهر الليطاني، ما أدى إلى عزل مناطق جنوبه عن شماله، وفق الجيش اللبناني.
وبحسب السلطات اللبنانية، أسفرت العمليات العسكرية منذ الثاني من مارس/آذار عن مقتل أكثر من 2100 شخص، إضافة إلى تشريد أكثر من مليون آخرين من منازلهم.
ومع بدء سريان الهدنة، شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت إطلاق نار في الهواء احتفالاً، بالتوازي مع عودة تدريجية للنازحين، وسط مشاهد ازدحام كثيف على الطرق المؤدية إلى الجنوب.
ونقلت وسائل إعلام عن عائلاتٍ متضررة أنها أصرت على العودة إلى بلداتها، مشيرة إلى أنها تفضّل البقاء في منازلها، حتى وإن كانت مدمّرة، على الاستمرار في مراكز الإيواء أو في شوارع بيروت.
من جانبها، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن الجهود الميدانية تواصلت على أكثر من مستوى لتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم في الجنوب، حيث تعمل جرافات تابعة للجيش على ردم الحفر في محيط جسر القاسمية وتوسيع الطريق لتسهيل حركة العبور.
ووصلت أرتال من السيارات المتجهة نحو منطقة صور إلى بلدة عدلون لتأهيل معبر الجسر القديم المعروف بـ" جسر الكنايات".
كما تولّت جمعيات تأمين المياه للمواطنين العالقين في زحمة السير، في حين انتشر عناصر الجيش لتنظيم حركة المرور على جسر القاسمية، الذي يشهد ازدحاماً خانقاً منذ منتصف الليل باتجاه الجسر البحري، عقب ترميم الأجزاء المتضررة منه.
حظي الاتفاق بترحيب عربي ودولي واسع، حيث أكدت دول مثل السعودية وقطر ومصر والأردن دعمها للهدنة، معتبرة إياها خطوة أولى نحو خفض التصعيد، ومشددة على ضرورة الالتزام بها وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية.
كما رحبت كل من سوريا ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي بالاتفاق، مشيدة بالجهود الدبلوماسية التي أفضت إليه.
دولياً، عبّرت دول أوروبية عدة، بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، عن دعمها للهدنة، مع التأكيد على ضرورة ضمان تنفيذها ميدانياً.
كذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش جميع الأطراف إلى احترام الاتفاق، معتبراً أنه قد يمهّد لمسار تفاوضي أوسع.
ورحبت إيران بالاتفاق، حيث قال المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي إن وقف إطلاق النار في لبنان يأتي ضمن تفاهمات أوسع، مرتبطة بمسار تهدئة إقليمي شمل وساطة باكستانية.
غير أن كلّاً من الولايات المتحدة وإسرائيل شددتا على أن المسار اللبناني منفصل عن أي مفاوضات أخرى مع طهران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك