هذا الأسبوع، ألغيت رحلة جوية.
لم يكُن ذلك في حد ذاته فعلاً درامياً على نحو خاص، فالناس يلغون رحلاتهم طوال الوقت.
كان الأمر مؤلماً بعض الشيء، مجرد واحد من تلك الأمور.
وببضع نقرات على هاتفي الذكي، انتهى كل شيء.
لم يكُن السبب المال، ولا العمل.
ألغيتها لأن العالم قرر، مرة أخرى، أن عليّ أن أفعل ذلك.
كنت أنوي الذهاب إلى لبنان لمفاجأة جدي في عيد ميلاده الـ99، وهو رقم يفترض أن يكون مناسبة للاحتفال.
رقم نادر إلى حد يجعله يبدو كأنه تحدٍ في حد ذاته.
إنها حياة امتدت عبر إمبراطوريات، وولادة أمة، واستقلال، وبناء، ودمار، وإعادة بناء.
واجتياحات.
وحروب.
حياة لا تستحق في هذه المرحلة سوى شيء واحد: السلام.
أنا مدرك تماماً لعبثية أن أجلس في لندن وأكتب عن رحلة ألغيت بينما الناس يموتون والعائلات تمحى.
ما أشعر به اليوم ضئيل إلى حد لا يذكر بالمقارنة.
لكن هذا أيضاً ما تفعله الحرب.
إنها لا تقتل وحسب، بل تعيد ترتيب حياة الأحياء.
إنها تفسد العادي والمألوف.
وتحول أمراً بسيطاً وأساسياً مثل زيارة عائلتك إلى شيء محفوف بالأخطار، أو غير مسؤول، أو مستحيل.
وبأي معيار معقول، فقد عشت حياة مرفهة.
أنا ابن أم مهاجرة غادرت بيروت التي مزقتها الحرب برفقة والدي البريطاني، وقد نشأت في المملكة المتحدة في ظروف استثنائية.
ووجود حياتي هذه ممكن فقط لأن والديّ وأجدادي عانوا ما عانوه.
تبدو العطلات الصيفية في لبنان مع أخي وأختي الآن أقرب إلى الأسطورة: مناقيش على الفطور، وأيام نقضيها نسبح ونلهو في البحر الأبيض المتوسط، ورحلات بحافلات صغيرة عبر الحدود إلى سوريا لرؤية مزيد من أفراد العائلة، أبناء العمومة والأعمام والعمات.
موسيقى، وحفلات، ورقص.
هذه ليست اختلاقات رومانسية، بل ذكريات حقيقية.
لكن الانقطاعات جاءت بعد ذلك.
مرة تلو أخرى، كان يحدث دائماً شيء ما في لبنان.
نزاعات مسلحة، فتُلغى الرحلات.
محاولات اجتياح، فتُهجر اللقاءات العائلية.
اغتيالات سياسية، فتبقى الخطط معلقة.
دائماً هناك مشكلة.
دائماً هناك علامة استفهام.
دورة قاتمة ويمكن التنبؤ بها، يعيد فيها اللبنانيون العاديون بناء حياتهم، قبل أن تسحقها من جديد قوى تصر على وصف نفسها بأنها ضرورة.
الشهر الماضي، ضحك دونالد ترمب وهو يتساءل كيف لا يزال الناس قادرين على العيش في لبنان.
وكأن البقاء في بيتك فعل غير عقلاني، أو كأن لكل شخص جواز سفر أجنبياً مخبأً بسهولة في درج.
بالنسبة إلى" تيتا" (جدتي) و" جدّو" (جدي)، لا بد من أن حياتهما تبدو كأنها تمضي في الاتجاه المعاكس.
لقد ربّيا أبناءهما في رفاه وراحة، قبل أن يفسح ذلك المجال لملاجئ في الأقبية، ونقاط تفتيش مسلحة، وسيارات مفخخة، ودبابات في الشوارع.
وهما اليوم أضعف مالياً من أي وقت مضى، وحولهما أفراد أقل من العائلة أكثر من أي وقت مضى.
يخلدان إلى النوم على وقع إطلاق النار والطائرات المسيّرة والصواريخ والانفجارات.
إنهما في التسعينيات من العمر.
وكان يفترض بهما أن يخلدا إلى النوم من دون سماع أي صوت بتاتاً.
ثم جاء الأربعاء، وتعرضت بيروت لأعنف هجوم عليها منذ أعوام.
أكثر من 200 قتيل خلال ساعات.
وأصبحت المدينة نفسها التي كانت تحتضن ذكريات صيفي تبدو الآن مضطربة، كأن أي مكان فيها، وفي أية لحظة، يمكن أن يتحول إلى مسرح للفوضى العنيفة.
الشرفة التي أتذكرها من عطلات الصيف، والمطلة على بيروت والبحر الأبيض المتوسط، تحولت إلى شيء مختلف تماماً.
صارت الآن نقطة رصد.
مكاناً لمشاهدة تصاعد الدخان، وصفارات الإنذار، والصراخ.
والعدّ الصامت للوقت الفاصل بين انفجار وآخر.
مقعداً في الصف الأمامي لمشاهدة تدمير مدينة عائلتي.
قيل لي أمس إن" اليوم جيد"، ليس لأن شيئاً تحسن، بل لأنه كان هادئاً.
والهدوء هنا يعني الآن أقل من 100 غارة جوية خلال 10 دقائق.
هذا هو ما يُعدّ انفراجاً.
الناس هنا يتواصلون معي، لكن الرسائل الطيبة وحسنة النية يستحيل الرد عليها كما ينبغي.
" هل عائلتك بخير؟ " تحدق في الرسالة لبعض الوقت، لأنك تتساءل: ما معنى" بخير" أصلاً في هذا السياق؟ هم لم يموتوا.
ولم يُهجّروا.
لذا تقول: " نعم".
أو تقول: " إنهم بخير في الوقت الراهن"، وهي عبارة أقرب إلى الحقيقة، لكنها مع ذلك تبدو كأنها كذبة.
كنت أريد أن أراهما.
أن أجلس معهما.
أن أعانقهما.
أن أسمع الحكايات نفسها التي سمعتها 100 مرة من قبل والتي لن أكتفي أبداً من سماعها.
أن أحتفي، ولو لوقت قصير، بحقيقة أن حياة إنسان بلغت 99 عاماً.
وبدلاً من ذلك، أجد نفسي أمام حقيقة أشد قسوة: هل سأراهما مرة أخرى أصلاً؟وبالطبع، لا شيء من هذا يحدث مصادفة.
كل تلك الزيارات الفائتة، والرحلات الملغاة، والقطع الصامت لأوصال الحياة العادية، ليست آثاراً جانبية مؤسفة لما يجري في العالم.
إنها نتائج متوقعة تماماً لقرارات اتخذها أشخاص لن يضطروا أبداً إلى العيش مع تبعاتها.
تراقب الأحداث وهي تتكشف وتتساءل: أيهما أسوأ؟ أن الرجلين المبتهجين في المكتب البيضاوي، أحدهما طائش والآخر ماكر، كانا يعلمان تماماً ما الذي سيحدث في المنطقة الأوسع حين هاجما إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي؛ أم أنهما لم يباليا بما يكفي ليفكرا في الأمر حتى النهاية؟ وأن وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه حديثاً لم يُعنَ منذ البداية حتى بالدخول في تفاصيل مقدار ما يشمله مما يجري في لبنان، أو ما إذا كان يشمله أصلاً.
والنتيجة دائماً واحدة: ستُختزل الحياة الطبيعية إلى مجرد أضرار جانبية.
في كل مبنى عائلة.
ولكل انفجار صرخة ترافقه.
هذه حقائق بديهية، لكن من السهل نسيانها حين تراقب من بعيد.
أنا غاضب من سهولة توقع هذه الأحداث.
وغاضب من اللغة التي تبررها.
الأمن.
والاستقرار.
والتدابير الضرورية.
غاضب من طريقة استمرار الأوضاع عقداً بعد عقد، كما لو أنه من الضروري أن تجري الأمور على هذا النحو بكل بساطة.
وغاضب لأن عليّ، كي أرى عائلتي، أن أراجع أولاً موقع وزارة الخارجية، ووثيقة تأمين سفري، وأن أجري تقييماً للأخطار.
وعليّ أن أحدد إلى أي مدى أثق بتعريف رئيس وزراء إسرائيل لعبارتي" وقف إطلاق النار" و" محادثات السلام".
إنه ليس طلباً معقداً.
بل هو، في الواقع، أبسط طلب يمكن أن يكون.
وغاضب أيضاً من موقعي أنا في كل هذا.
من حقيقة أنني استطعت، ولو على مضض، أن أكون بمنأى عنه.
ومن أنني أستطيع ببساطة أن ألغي رحلة على هاتفي الذكي وأبقى آمناً.
ومن أنني أستطيع الجلوس هنا والكتابة عن ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك