مقالات من بطون كتب ونبض الواقعليست كل الدول التي تملك الموارد قادرة على تحويلها إلى ثروة،وليست كل الدول التي تنفق الأموالالفارق بين الحالتين دقيق في ظاهرهإنه الفارق بين دولة تستهلك،ترى الموارد بوصفها غاية تُنفق،بينما الدولة المنتجة تراها مادة أولية تُحوّل إلىفي الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لم يعد دور الدولة محصورًا في التنظيمبل أصبح يُنظر إليها بوصفها فاعلًا اقتصاديًا قادرًا على توجيه الأسواق، وصناعة الفرص، وتحفيز الابتكار.
وكما تؤكد Mariana Mazzucato في أعمالها، فإن الدولة التي تكتفي بدور الحارستفقد القدرة على صناعة المستقبل، بينما الدولة التي تستثمر بجرأة تصبح شريكًا في خلق القيمة لا مجرد موزع لها.
هذا المقال يستند إلى مجموعة من الكتب العميقة التي أعادت التفكير في دور الدولة، لنفهم كيف تتحول من كيان يستهلك الموارد إلى قوة تُنتج القيمة.
في كتاب “The Entrepreneurial State”، تطرح Mariana Mazzucatoمفادها أن أعظم الابتكارات في العصر الحديث لم تأتِ من القطاع الخاص وحده، بل كانت الدولة شريكًا رئيسيًا في تمويلها وتوجيهها.
وتقنيات الاتصالات، والعديد من الابتكارات الطبية،كلها نشأت في بيئات دعمتها الدولة عبر استثمارات طويلة الأمد، تحملت فيها المخاطر التي لا يقبل بها رأس المال الخاص.
الدولة هنا لا تتدخل لإعاقة السوقوهذا يعيد تعريف القيمة نفسها:ليست فقط ما يُباع في السوق، بل ما يُبنى من قدرات ومعرفة تُمكّن الاقتصاد من النمو.
وفي كتاب “The Value of Everything”،إلى نقد عميق لفكرة أن السوق وحده هو الذي يحدد القيمة.
توضح أن كثيرًا من الأنشطة التي تُصنّف على أنها “منتجة”بينما تُهمّش أنشطة أخرى أساسية مثل التعليمالدولة المنتجة للقيمة هي التي تعيد توجيه هذا الفهم،فتركز على الأنشطة التي تخلق قيمة طويلة الأمد،من زاوية أخرى، يشير Joseph Schumpeter في نظريته حول الابتكار إلى أن النمو الاقتصادي يقوم علىأي استبدال القديم بالجديد.
واستثمارات جريئة، وسياسات تشجع على التجريب.
الدولة التي تنتج القيمة هي التي تخلق هذه البيئة،وفي كتاب “Development as Freedom”،يربط Amartya Sen بين التنمية وقدرات الإنسان.
القيمة الحقيقية، في نظره، لا تُقاس فقط بالناتج المحلي،بل بمدى قدرة الناس على التعلم،الدولة التي تستثمر في الإنسانأما Dani Rodrik فيؤكد في أعماله حول السياسات الصناعيةلم تترك الأسواق تعمل وحدها، بل تدخلت بذكاء لتوجيه الاستثمار نحو قطاعات استراتيجية، وبنت شراكات مع القطاع الخاص لتحقيق أهداف تنموية واضحة.
هذه الرؤى مجتمعة تُظهر أن التحول من الاستهلاك إلى الإنتاجوسياسات تشجع على الابتكار.
في كثير من الدول، ومنها السودان، يظل دور الدولة أقرب إلى إدارة الموارد لا إلى تحويلها.
تُستخرج الموارد، وتُصرف الإيرادات، لكن القيمة المضافة تظل محدودة.
التحول يتطلب تغييرًا في التفكير قبل السياسات.
بدل أن تُنفق الدولة على الاستهلاك، يجب أن تستثمر في بناء سلاسل قيمة:ومن التعدين إلى الصناعات التحويلية،ومن التعليم إلى الابتكار.
كما أن بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، وتشجيع المبادرات المحلية،يُعد من أهم أدوات التحول.
الدولة لا تعمل وحدها، لكنها تقود.
الدولة التي تستهلك مواردها تعيش على الحاضر، أما الدولة التي تُنتج القيمة فتبني المستقبل.
الفارق بينهما ليس في حجم الموارد،بل في طريقة التفكير، وفي الجرأة على الاستثمار في ما لا يظهر أثره فورًا.
القيمة لا تُستخرج من الأرض فقط،بل تُصنع في العقول، وتُبنى في المؤسسات، وتُترجم في الاقتصاد.
وحين تدرك الدولة هذه الحقيقة، تتحول من متلقٍ للثروة إلى صانع لها.
Mariana Mazzucato, The Entrepreneurial StateMariana Mazzucato, The Value of EverythingJoseph Schumpeter, Capitalism, Socialism and DemocracyAmartya Sen, Development as FreedomDani Rodrik, One Economics, Many Recipesرؤية المقال القادم في السلسلةفي المقال القادم بإذن الله ننتقل إلى سؤال حاسم في مسارنا:من يقود التنمية: الدولة أم السوق أم الشراكة بينهما؟John Maynard Keynes, The General TheoryFriedrich Hayek, The Road to Serfdomلنخوض في واحدة من أعمق الجدليات في الفكر الاقتصادي الحديث.
متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك