يحتفل العالم في شهر أبريل من كل عام بـ" اليوم العالمي للكتاب"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها منظمة اليونسكو إيمانًا بالقوة التنويرية للكتب، ودورها الجوهري كجسر معرفي يربط بين الأجيال المتعاقبة والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز الأدب العربي كأحد أهم الروافد العالمية التي قدمت على مدار القرن العشرين أعمالًا استثنائية بلغت حدود العالمية، حيث توج الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب هذه الإبداعات بإعلان قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن الماضي، بناء على استفتاء موسع شارك فيه كبار النقاد والأدباء.
وترصد “فيتو” خلال برنامج احتفالها باليوم العالمي للكتاب الشهر الجاري، عددًا من هذه الأعمال، ومنها رواية “السائرون نياما”.
تعد رواية" السائرون نياما" للأديب الراحل سعد مكاوي واحدة من أيقونات الأدب العربي الحديث، حيث استطاع من خلالها تقديم قراءة فنية معمقة لسنوات حكم المماليك الأخيرة في مصر، والرواية التي صدرت طبعتها الأولى عام 1963، لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل اعتبرها النقاد من أوائل الأعمال التي نجحت في توظيف التراث لإسقاط الضوء على قضايا معاصرة، ورأى فيها البعض رمزا مباشرا لصراعات الضباط الأحرار وعلاقتهم بالشعب في أعقاب ثورة يوليو.
تدور أحداث الرواية في حقبة زمنية تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، وهي الفترة الختامية من عمر سلطنة المماليك التي حكمت مصر والشرق لنحو 276 عامًا، وقد قسم مكاوي عمله إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: " الطاووس"، و" الطاعون"، و" الطاحون".
وفي القسم الثاني، يبرز براعة الكاتب في تصوير كارثة الطاعون التي بدت وكأنها تنهي جيلا كاملا، لينتقل بالخيوط الدرامية إلى جيل الأبناء، ناسجا عبر الأقسام الثلاثة عشرات الشخصيات والأماكن بأسلوب ساحر يمزج بين الواقع والأسطورة.
ينقل سعد مكاوي القارئ إلى أجواء مفعمة بالتفاصيل المملوكية، حيث يعيد إحياء مسميات تاريخية مثل" أتابك العسكر" و" بيت المال" ونظام" السخرة"، وتتشابك في الرواية مصائر الشخصيات، فنجد" الشيخة زليخة" التي تمثل رمز شعبي ببيتها المعبق بالبخور وزمرة المجاذيب المحيطين بها، ومن بينهم" خالد" الذي اختطفت أخته" عزة" على يد أحد المماليك.
وتعكس حوارات هذه الشخصيات هما وطنيا مستمرا ومحاولات للانتقام من السلب والنهب الذي تعرضت له البلاد، في مشهد يبرز صمود الروح الشعبية أمام الطغيان.
في المقابل، تستعرض الرواية حياة الأمراء والسلاطين المنغمسين في الشهوات والبحث عن الجاه والمال، وتسلط الضوء على هشاشة الحكم من خلال نموذج السلطان" بلباي"، الذي كان مجرد دمية في يد" خير بك" أتابك العسكر، حتى أطلق عليه لقب السلطان" قل له" لتبعيته المطلقة، وتكشف الرواية كيف تحول مبدأ" الحكم للأقوى" إلى دستور فعلي، مما أغرق البلاد في صراعات داخلية وفساد إداري وأخلاقي عزل الحكام عن رعاياهم.
من الرواية إلى الشاشة الفضيةنظرا لثراء العمل دراميًا، تم تحويل" السائرون نياما" إلى مسلسل تليفزيوني عام 2010، من إخراج محمد فاضل، وشارك في صياغة السيناريو والحوار مصطفى إبراهيم، بينما جسد أدوار البطولة نخبة من النجوم بينهم فردوس عبد الحميد، سلوم حداد، قمر خلف، علي الحجار، وأحمد هارون، ليخرج العمل من صفحات الكتب إلى شاشات التلفاز.
ولد الأديب سعد مكاوي في 6 أغسطس 1916 بقرية" الدلاتون" بمحافظة المنوفية، وهي البيئة التي استلهم منها مجموعته القصصية" الماء العكر"، ونشأ مكاوي في بيت علم، حيث تأثر بمكتبة والده الزاخرة بكتب التراث والتاريخ، وبدأ مسيرته التعليمية في مدارس القاهرة حتى سافر إلى فرنسا عام 1936، ودرس الطب لعام واحد في" مونبلييه" قبل أن ينتقل إلى كلية الآداب بجامعة السوربون حتى عام 1940، وهناك انفتح على الأدب العالمي وقرأ لعمالقة مثل موباسان، إميل زولا، وبلزاك.
عقب عودته من باريس، انخرط مكاوي في العمل الصحفي، حيث أشرف على الصفحة الأدبية بجريدة" المصري" لسان حال حزب الوفد عام 1947، ثم عمل بجريدتي" الشعب" و" الجمهورية".
وتقديرا لمكانته، تولى مناصب رسمية هامة، منها رئاسة هيئة المسرح، وعضوية مؤسسة بنادي القصة واتحاد الكتاب، فضلا عن كونه مقررا للجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، وظل عطاؤه مستمرا حتى رحيله في عام 1985.
ترك سعد مكاوي وراءه ثروة أدبية بلغت 26 كتابا، شملت القصة والرواية والمسرح والمقال، بدأت رحلته مع النشر عام 1945 بقصة" صاحبة العصمة"، ثم توالت إصداراته التي ضمت 14 مجموعة قصصية منها: " نساء من خزف"، " قهوة المجاذيب"، " الزمن الوغد"، و" الفجر يزور الحديقة".
وفي الرواية، قدم أعمالا لافتة إلى جانب" السائرون نياما" (التي أعيد نشرها عام 1997)، وهي" الرجل والطريق"، " الكرباج"، و" لا تسقني وحدي"، كما ساهم في المسرح بأعمال مثل" الميت الحي" و" الأيام الصعبة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك