في مساء رطب من أمسيات الرباط، وصل حمزة إلى محطة القطار، يتلفت بين الوجوه بحثا عن صديقه القديم يوسف الذي لم يره منذ سنوات الدراسة الثانوية.
لم يمض وقت طويل حتى لمح خطواته الهادئة وابتسامته الخجولة تقترب، يجر خلفه حقيبته الصغيرة وكأنها تحمل ما تبقى من ذكرياتهما المشتركة.
تعانقا بحرارة، ثم قررا أن يبدآ ليلة استعادة الحكايات من قلب المدينة التي احتضنت بداياتهما الأولى.
اتجها معا نحو حانة قرب محطة القطار، أضواؤها الصفراء المتعبة تنسكب على الرصيف الضيق، والموسيقى المنبعثة من الداخل تمتزج بضجيج السيارات.
جلس حمزة أمام طاولة صغيرة وطلب أول قنينة خمر، بينما اكتفى يوسف بكأس من مشروب غازي، يحركه بيده أكثر مما يشربه، كأنه يحاول وضع مسافة بينه وبين الصخب الذي يحيط به.
راح حمزة يقص حكايات غربته، ومع كل ذكرى فارغة يفرغ قنينة أخرى، في حين كان يوسف ينصت، يبتسم أحيانا، ويشيح بنظره أحيانا أخرى، كأن ما يسمعه يوجعه أكثر مما يفرحه.
بعد ساعة من المزاح والضحك العالي، اقتربت منهما فتاة أنيقة ترتدي معطفا أسود وتضع على كتفها حقيبة صغيرة لامعة، عرفت نفسها باسم ليلى وجلست دون كثير تكلف.
شاركت حمزة بعض كؤوسه، وبدأت تنسج خيوط الحديث حول “حانة أخرى أجمل وأرقى” اعتادت أن تصطحب إليها الزبناء مقابل عمولة تعرفها هي جيدا ولا يهتم هو بتفاصيلها.
ظل يوسف متمسكا بمشروبه الغازي، يراقب بعينين حذرتين كيف تستدرج ليلى فضول حمزة، وكيف تزين له استمرار الليل بوعد الضحك والموسيقى والوجوه الجديدة.
انتقل الثلاثة إلى الحانة الثانية، أكثر صخبا وأشد إضاءة، حيث تداخلت أصوات الموسيقى مع روائح الأكل الساخن.
هناك واصل حمزة احتساء قنينات الخمر بلا حساب، بينما طلب يوسف زجاجة أخرى من المشروب الغازي، يحاول أن يبقى يقظا وسط بحر من الغفلة الطوعية.
وصلت أطباق العشاء: سلطة ملونة في الوسط، وطاجين باللحم يغري بحممه البنية، وآخر بالدجاج يعبق برائحة الليمون والزيتون، فالتهم حمزة نصيبه كمن يبحث عن سند يشده إلى الأرض، فيما أكل يوسف بهدوء، شاكرا في سره نعمة الصحو.
ما إن انتهت الأطباق وتبددت رغبة الصديقين في المزيد من الإنفاق، حتى اختفت ليلى فجأة، تاركة خلفها عطرا خفيفا وخبرة طويلة في إنهاء الأدوار عند اللحظة المناسبة.
خرج الصديقان إلى هواء الشارع البارد، كانت لسعة الهواء البارد على وجه حمزة كافية لينتبه إلى أن بعض الوريقات المالية اختفت من جيبه، لقد سرقتني الملعونة، قالها بحسرة وهو يكتشف سر اختفائها المفاجئ.
توجها إلى فندق راق في قلب الرباط، لوبيه الهادئ يضج فقط بأنوار خافتة وأنغام موسيقى ناعمة تشبه همسا طويلا.
في ركن بعيد من بهو الفندق، جلسا يستمعان للموسيقى؛ حمزة بعينين نصف مطفأتين من أثر الخمر، ويوسف بعينين نصف مفتوحتين على أسئلة كثيرة عن هذا الطريق الذي يمضي فيه رفيقه بلا تردد.
بعد منتصف الليل بقليل، اقترح حمزة أن يكمل الليل في حانة أخرى، وكأن المدينة لا تنتهي إلا عندما تنتهي القنينة الأخيرة.
في الحانة الثالثة، كان المكان أكثر سكونا، والزبائن أقل عددا، لكن قائمة الطعام أغوت حمزة بطبق من مخ البقر ولسانها وكبدها، شاركه يوسف الأكل نفسه، ولكن مع كأس جديد من المشروب الغازي، يحاول أن يوازن بين واجب الصداقة وحدوده الشخصية.
استمر حمزة في احتساء الخمر، ضاحكا من دون سبب واضح، بينما كان يوسف يراقب عقارب الساعة تتقدم نحو الفجر، ويشعر أن الليل يشيخ فوق وجهيهما ببطء.
عندما لاحت أولى خيوط الفجر فوق أسطح الرباط، خرج الصديقان إلى الشارع شبه الفارغ، والبرد يلسع وجوههما.
توقف يوسف فجأة، نظر في عيني حمزة وقال بهدوء إن صداقتهما عنده أغلى من أي كأس، وإنه مستعد أن يبقى بجانبه ما دام يريد العودة إلى نفسه، لا فقط إلى بيته.
لم يجب حمزة، اكتفى بابتسامة متعبة، لكن في عمق عينيه ظهرت لمعة خاطفة تشبه اعترافا صامتا بأن هذه الليلة ربما كانت آخر امتحان قاس لصداقتهما، وأول فجر جديد لقرارات مؤجلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك