يشكل إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية بالمغرب تحولًا نوعيًا في فلسفة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، قائمًا على العدالة المجالية والديمقراطية التشاركية.
وفي صلب هذا التحول، يبرز دور المجتمع المدني، ومن ضمنه هيئات وجمعيات وتنسيقيات المتقاعدين، كفاعل أساسي في بلورة وتنزيل وتتبع هذه البرامج.
غير أن أهمية هذه الفئة لا تنبع فقط من منطق المشاركة، بل ترتبط أيضًا بتحولات ديموغرافية عميقة كشفت عنها نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، والتي تؤكد أن المغرب دخل فعليًا مرحلة الشيخوخة المتسارعة.
حيث تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق بلغ حوالي 5 ملايين نسمة سنة 2024، أي ما يمثل 13.
8% من مجموع السكان، مقابل 9.
4% سنة 2014 و8% فقط سنة2004.
حيث سجلت هذه الفئة نموًا سريعًا بنسبة تفوق 58% خلال عقد واحد، وهو معدل يفوق بكثير النمو الديموغرافي العام.
هذا التحول يعني أن المغرب يتجه تدريجيًا نحو قلب هرمه الاجتماعي، حيث تتراجع نسبة الفئات الشابة مقابل ارتفاع نسبة كبار السن، في تحول بنيوي له انعكاسات اقتصادية واجتماعية عميقة.
في ظل هذا الواقع، لم يعد من الممكن التعامل مع فئة المتقاعدين باعتبارها عبئًا على منظومة الحماية الاجتماعية، بل ينبغي إعادة تموقعها كـ:رأسمال بشري غني بالتجربة والخبرةقوة اقتراحية قادرة على المساهمة في السياسات العموميةفاعل محلي يمتلك معرفة دقيقة بالتحولات المجاليةوهو ما يجعل إدماجها في الجيل الجديد من البرامج التنموية خيارًا استراتيجيًا، وليس مجرد بعد اجتماعي.
حيث يرتكز هذا الورش التنموي الجديد على إشراك المواطنين في صياغة القرار العمومي، وهو ما يمنح المتقاعدين بصفتهم مواطنين ساهموا في بناء وتنمية هذا الوطن فرصة أخرى وحقيقية للاندماج.
وبذلك تنتقل هذه الفئات من موقع المطالبة بعدم التهميش والالتفات إليها كفاعل اجتماعي.
إلى موقع الشراكة في التنمية، عبر:المشاركة في التشخيص الترابي للحاجياتتقديم مقترحات عملية مبنية على الخبرةتتبع تنفيذ المشاريع وتقييم أثرها؛إن تزايد نسبة الشيخوخة يفتح المجال أمام بروز ما يسمى بـ الاقتصاد الفضي، كأفق استراتيجي واعد لنجاح هدا المشروع والذي يقوم على:تثمين قدرات وخبرات كبار السنتطوير خدمات موجهة لهذه الفئةإحداث فرص اقتصادية واجتماعية جديدةتحفيز المؤسسات العامة والخاصة لفتح المجال في وجه هذه الشريحة.
وفي هذا الإطار، يمكن لهيئات المتقاعدين أن تلعب أدوارًا محورية، من خلال:الاستشارة في المشاريع الترابيةالانخراط في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؛وهي فرصة لتعزيز دور المتقاعدين وإدماجهم في الهندسة الجديدة للبرامج التنموية (لجان محلية، جهوية، شركات تنفيذ، منصات رقمية للتتبع) تتيح إمكانيات واسعة لإدماج المتقاعدين، خاصة في:تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبةدعم النجاعة في التنفيذ عبر الخبرة الميدانيةرغم هذه الفرص، يظل الإدماج الفعلي رهينًا بـ:تأهيل قدرات التنظيمات المدنية للمتقاعدينتوحيد الصفوف وتجاوز التشتت التنظيميالانخراط في رؤية تنموية شمولية تتجاوز المطالب الفئويةإن التحولات الديموغرافية التي يعرفها المغرب، والمتمثلة في ارتفاع نسبة الشيخوخة إلى حوالي 14% من السكان، تفرض إعادة تعريف أدوار الفاعلين الاجتماعيين.
وفي هذا السياق، تمثل هيئات وجمعيات وتنسيقيات المتقاعدين رافعة حقيقية لإنجاح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية.
فالرهان لم يعد فقط في إدماج هذه الفئة، بل في إعادة الاعتبار لها كشريك مجتمعي كامل الحقوق والأدوار، عبر فك العزلة التي تعاني منها في كثير من الأحيان، سواء على المستوى الاجتماعي أو المؤسساتي.
إن المتقاعد ليس نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة يمكن أن يكون فيها أكثر عطاءً، إذا ما أُتيحت له شروط الاندماج والمساهمة.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري:الاعتماد على خبرات المتقاعدين في بلورة وتنفيذ المشاريع الاجتماعية والتنمويةإشراكهم بشكل فعلي في مختلف آليات الديمقراطية التشاركيةتمكين تنظيماتهم من الحضور في دوائر القرار المحلي والوطنيكما يكتسي إدماج هذه الفئة أهمية خاصة في ما يتعلق بـ الحوار الاجتماعي، الذي لا ينبغي أن يظل حكرًا على الحكومة والنقابات المهنية، بل يتعين توسيعه ليشمل المتقاعدين باعتبارهم طرفًا معنيًا بشكل مباشر بالسياسات الاجتماعية، خاصة في ما يتعلق بأنظمة التقاعد، الحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية.
إن إشراك المتقاعدين في الحوار الاجتماعي من شأنه أن:يضفي بعدًا إنسانيًا وتوازنيًا على النقاشات الاجتماعيةيضمن استمرارية الرؤية بين الأجيال النشيطة والمتقاعدةيعزز مصداقية السياسات العمومية ويجعلها أكثر شمولًا وعدالةوعليه، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إدماج هذه الفئة ضمن البرامج التنموية، بل في تحويلها إلى فاعل استراتيجي في صياغة مستقبل التنمية بالمغرب، بما ينسجم مع روح الجيل الجديد من البرامج الترابية، ويجعل من الشيخوخة رافعة للتنمية بدل أن تكون عبئًا عليها.
فبقدر ما ينجح المغرب في تعبئة هذا الرصيد البشري الغني، بقدر ما يخطو نحو نموذج تنموي أكثر توازنًا، يكرس الكرامة، ويحقق العدالة المجالية والاجتماعية في آن واحد.
عبد العزيز رجاء، الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك