توالت المجازر الإسرائيلية بحق أهالي جنوب لبنان في الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار المؤقت وشملت بلدات واقعة شمال نهر الليطاني، وقرى شرق صيدا، ورغم ذلك اختار كثيرون البقاء في قراهم وعدم المغادرة.
كان الشاب اللبناني هادي من الذين قرروا البقاء في بلدته دير الزهراني (قضاء النبطية)، رغم خطر القصف الإسرائيلي، ولجأ إلى جاره كي يمدّه بالإضاءة التي يوفرها عبر ألواح الطاقة الشمسية، كي يتمكن من متابعة دراسته الجامعية في اختصاص إدارة التسويق.
يقول لـ" العربي الجديد": " خيار مغادرة البلدة لم يكن قائماً، فلديّ شقيقة مُقعدة، وأبي مسن، كما أنني لا أملك وسيلة نقل.
نزحنا خلال الحرب الماضية، وكان واقع النزوح صعباً، لذا قررنا هذه المرة البقاء"، مضيفاً بالدارجة الجنوبية: " إذا بدنا نموت (إذا كنا سنموت) منموت ببيتنا.
سلّمنا أمرنا لله".
عندما اندلعت الحرب لم يكن بحوزة هادي سوى 600 دولار أميركي، وفضّل أن يؤمّن من خلالها الطعام، إذ إنها لا تكفي لتأمين مسكن مستأجر.
ويوضح: " بدأت مقومات العيش تتضاءل في البلدة، فالكهرباء مقطوعة منذ اندلاع الحرب، ونفد مازوت المولدات الكهربائية.
كل أسبوع كان صديقي يمرّ ليأخذني إلى مدينة صيدا كي نتبضّع، ولا يمكننا تخزين اللحوم والدجاج في البراد بسبب انقطاع الكهرباء.
وضعي النفسي كان سيئاً، فأنا أتابع دراستي، ولا أعرف متى يمكن أن يسقط صاروخ فوقي.
أعمل أيضاً في التصوير والمونتاج، وراسلت عدداً من وسائل الإعلام كي أمدّها بصور من محيط بلدتي، ومن مدينة النبطية، لكني لم أتلقّ جواباً".
قررت اللبنانية سوزان فقيه (62 سنة) البقاء مع ولديها في بلدة النبطية التحتا، وتقول لـ" العربي الجديد": " من يقرر الخروج من منزله ينبغي أن تكون حقيبته مليئة بالأموال، كما أننا لا نستطيع العيش في مدرسة أو خيمة، إضافة إلى عدم امتلاكنا وسيلة تنقّل، وهي مشكلة كبيرة، لذا فضّلنا البقاء في البيت، فهو أشرف وأكثر ستراً لنا".
وحول مقومات العيش، تضيف فقيه: " لا تزال الكهرباء والمياه مؤمّنتين، وجمعيات البلدة تؤمّن لنا بعض حاجيات الأكل مع الخبز، لذلك تمسكنا بالبيت، وحين كان يقع القصف نحاول تحييد أنفسنا.
اختبرت في الحرب الماضية (2024) النزوح من منزلي، وتعرضت لأشكال من الذل.
أبناء الجنوب لا يقبلون الذل".
لا يزال نادر أبو ساري من بلدة الضهيرة (قضاء صور) نازحاً في مدرسة صور التكميلية الرسمية منذ الحرب الماضية.
ويقول لـ" العربي الجديد": " نكرر أننا بخير، لكننا في الحقيقة لسنا بخير.
كنا في المدرسة 12 عائلة، ومع اندلاع هذه الحرب استقبلت المدرسة 130 عائلة.
المدرسة قريبة من الشاطئ، وبعيدة عن الوحدات السكنية، ما جعلنا بمأمن نوعاً ما.
أعيش مخاوف كبيرة، لا سيما على أولادي الأربعة، ولا يوجد مكان بديل أتوجه إليه، وإذا قررت التوجه إلى صيدا، فسوف أبقى في الشارع داخل سيارتي، لذا قررنا البقاء هنا، فيما تقع في محيطنا ضربات إسرائيلية".
وفي حين يوفر اتحاد بلديات صور المساعدات الغذائية، يتحدث أبو ساري عن غلاء الأسعار وغياب المساعدات المالية، موضحاً: " تضاعفت أسعار الخضار والدجاج واللحوم، وكذلك كلفة قارورة الغاز التي كانت تُباع بـ12 دولاراً، وبلغ سعرها 26 دولاراً.
لولا توفر الإنترنت لكان أولادي في وضع نفسي صعب، فهو يخفف عنهم في الوقت الحالي".
ويعبّر أبو ساري عن غضبه من الاستفزاز الذي يحصل بين النازحين من خلفيات مختلفة في المدرسة، نتيجة التجاذب السياسي، قائلاً: " ألا تكفينا الحرب الإسرائيلية؟ هذا معيب.
فالحرب علينا جميعاً، وكلنا مهجّرون".
تصاعدت في قرى ساحل الزهراني وقضاء صيدا وتيرة العدوان الإسرائيلي قبيل سريان وقف إطلاق النار، إذ شنّ العدو غارات على بلدات البابلية، والزرارية، وتفاحتا، والسكسكية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى، فيما فضّل بعض الأهالي الصمود على مرارة النزوح.
رفضت ربى علول (24 سنة) وعائلتها مغادرة بلدة السكسكية (قضاء صيدا)، رغم شمول البلدة ضمن تهديدات الإخلاء الإسرائيلية التي طاولت 41 قرية، في السادس من إبريل/نيسان الجاري.
وتقول لـ" العربي الجديد": " نحن شعب لا ينكسر، ونحب أرضنا، ولن نتخلى عنها رغم كل المخاطر والتهديدات الإسرائيلية، وطالما أن مقومات العيش متوفرة في البلدة لن نغادرها.
لا تزال الكهرباء والمياه متوفرتين، والمحلات التجارية تفتح أبوابها.
البقاء في البلدة يغيظ العدو الإسرائيلي، وغالبية الأهالي، وحتى من لديهم أطفال، رفضوا المغادرة.
وجودنا في الجنوب يشبه وجود أشجار الزيتون، والتي تحاول إسرائيل تدميرها أيضاً".
خلّف استهداف بلدة الزرارية (قضاء صيدا)، في 12 إبريل الجاري، 10 شهداء، إضافة إلى عدد من الجرحى.
تقول الشابة فاطمة الأخضر لـ" العربي الجديد" إنها وعائلتها فضّلوا البقاء في البلدة، وتضيف: " لن نترك أرضنا ومنزلنا، وبعد الغارات الإسرائيلية التي أطلق علها العدو الإسرائيلي اسم (الظلام الأبدي)، تبيّن أنه ليس هناك مكان آمن، فخطر القصف طاول كل مكان، وبعدها لم تعد بعض مقومات العيش متوفرة، فعدد من المحلات التجارية ومحال بيع اللحوم والدجاج أقفلت، وهناك فقط دكانة صغيرة، وهي في أغلب الأوقات مقفلة.
حاولنا تدبّر أمرنا مما نخزنه من المونة البيتية".
تضيف الأخضر: " النزوح من المنزل يلزمه توفر أموال كثيرة، ومحاولة البحث عن منزل في هذه الظروف صعبة، لذا قررنا أن نبقى، وأن نسلم أمرنا لله.
شعور الخوف تملكني، لكن لا يمكنني ترك عائلتي، والنزوح إلى أماكن من الممكن أن أتعرّض فيها للذل، وبالتالي عليّ تحمّل الوضع الحالي".
طاولت آلة القتل الإسرائيلية بلدة تفاحتا (قضاء صيدا)، يوم الأحد 11 إبريل، وراح ضحية المجزرة تسعة شهداء و13 جريحاً، وفق بيان وزارة الصحة اللبنانية.
ويقول ابن البلدة حسن صالح (19 سنة) لـ" العربي الجديد": " ندعم أبناء بلدتنا في الحرب والسلم، وبعد إقفال المحال التجارية، أقوم مع مجموعة من الشبان بتأمين مستلزمات أهالي البلدة من مدينة صيدا، نذهب لجلبها، ثم نقوم بتوزيعها على أهلنا الصامدين".
ويضيف: " عدد السكان الذين بقوا قليل، وغالبيتهم ممن صمدوا أيضاً خلال الحرب الماضية، ونحن في خدمتهم، ورغم التهديد المستمر، سنبقى صامدين".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك