في أي حرب تنشب تطبق المأثورة القائلة: «مصائب قوم عند قوم فوائد».
الحرب الإيرانية غير مستثناة من هذه المأثورة، مصائب أمريكا، فوائد عند الصين وروسيا.
تخسر أمريكا كل يوم مليارات الدولارات بينما يجلس الصينيون على شاطئ النهر يشاهدون جثث خصومهم.
التاريخ يدون أنه في زوايا الصراعات الكبرى، كثيرا ما تتحقق المكاسب الحقيقية بعيدا عن ضجيج المعارك.
بينما انشغلت أمريكا وإيران في الصراع العسكري والسياسي المتصاعد، بدت الصين وكأنها تكتب فصلا مختلفا تماما من القصة، فصلا يقوم على المشاهدة والمراقبة والانتظار، والتوظيف الذكي للفرص.
لم تكن بكين طرفا مباشرا في المواجهة؛ لكنها خرجت منها بأرباح استراتيجية يصعب تجاهلها.
يمكن أن نقول إن الصين حصلت على كورس محاكاة للحرب الحديثة المدارة بالذكاء الاصطناعي بدون أن تنفق دولارا واحدا أو تفقد جنديا واحدا.
منح الصراع الأمريكي الإيراني، الصين نافذة نادرة لفهم آليات الحرب الحديثة دون أن تدفع ثمن التجربة.
أتاح لها مراقبة كيفية توظيف أمريكا الذكاء الاصطناعي في إدارة الحرب.
بالنسبة للعقل الاستراتيجي الصيني، لم يكن هذا مجرد صراع إقليمي، بل مختبرا حيا لا توفره حتى أكثر المناورات العسكرية تقدما.
الصين تعيد ترتيب أوراقها في مجال الطاقة، مستفيدة من الاضطرابات التي طالت مضيق هرمز وسلاسل الإمداد العالمية.
الحرب لم تكن تهديدا لبكين بقدر ما كانت اختبارا ناجحا لاستراتيجيتها طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على البترول.
مع ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة والطاقة النووية في مزيجها الطاقي، وتعزيز احتياطياتها الاستراتيجية، بدت الصين أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالاقتصادات التي لا تزال رهينة للتقلبات البترولية.
هكذا تحولت الأزمة إلى دليل عملي على صلابة النموذج الصيني في إدارة أمن الطاقة.
على الصعيد الدبلوماسي اختارت بكين أن تتحرك بهدوء، مستثمرة الفراغ الذي خلفه التصعيد الأمريكي.
في الوقت الذي نشبت فيه الحرب، سعت الصين إلى لعب دور الوسيط الذي يجمع الأطراف.
هذا التباين في الأسلوب كان تعبيرا عن رؤية أوسع تسعى من خلالها بكين إلى تقديم نفسها كقوة استقرار، لا كطرف في النزاع.
ومن خلال هذا النهج، عززت الصين حضورها في الساحة الدولية، ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر النفوذ السياسي والاقتصادي.
في الخلفية كان سباق الذكاء الاصطناعي يتسارع بوتيرة غير مسبوقة.
ساهمت التداعيات المالية للحرب في إعادة توجيه بعض الاستثمارات العالمية، ما منح الصين فرصة إضافية لتعزيز قدراتها في هذا المجال.
مع امتلاكها واحدة من أكبر القدرات الحاسوبية عالميا، لم تعد بكين بحاجة ماسة إلى الشراكات التقليدية لتوسيع نفوذها التكنولوجي، باتت قادرة على بناء منظومتها الخاصة، مستفيدة من تعثر المنافسين.
الورقة الأكثر حساسية في يد الصين مدفونة في أعماق الأرض.
سيطرتها الواسعة على العناصر الأرضية النادرة التي تشكل العمود الفقري للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، تمنحها نفوذا استراتيجيا بالغ الأهمية.
تخوض الصين حربا من نوع آخر، حرب بلا ضجيج، بلا مواجهات مباشرة؛ لكنها غنية بالمكاسب بعيدة المدى.
تنشغل القوى الأخرى بإدارة الأزمات، وتستثمر بكين في بناء موقعها بهدوء مستفيدة من كل لحظة اضطراب.
في هذا المشهد لا يكون المنتصر من يطلق الرصاص، بل من يعرف متى ينتظر ومتى يتحرك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك