" أن تنقل الحقيقة وأنت لا تملك ترف الخطأ"هذه الشهادة تروي تجربة فردية داخل عمل جماعي امتد بين غرفة الأخبار والميدان وشبكة المراسلين.
لم تكن الساعات الأخيرة التي سبقت الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار في لبنان عادية.
كانت كل دقيقة تحمل تطورًا جديدًا، ميدانيًا وسياسيًا، في سباق محموم بين الوقائع على الأرض وما يُحاك في الكواليس.
في الميدان، يمكن التقاط المؤشرات عبر المراقبة ومصادر تعمل على الأرض.
أما في السياسة، فتبقى المعلومة الأكثر تعقيدًا هي تلك التي تُصاغ خلف الأبواب المغلقة، في بلد يدخل مرحلة مفصلية تُعدّ الأولى منذ عقود.
هنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الصحافة:استقصاء ما لا يُقال، ونقل ما يُخفى.
عندما يصبح القرار جزءًا من الخبرحبس للأنفاس عايشناه في" التلفزيون العربي"، بين غرفة الأخبار والميدان، مع شبكة مراسلين ينتشرون على خطوط النار وفي مراكز القرار.
كانت ساعات مشحونة سبقت إعلان وقف إطلاق النار، وسط معلومات متضاربة عن اتصال محتمل بين الرئيس اللبناني والطرف الإسرائيلي.
وكان الحصول على أي تأكيد أو نفي، حتى بصيغة مبهمة، مهمة شاقة.
بدا الاتصال التمهيدي بين عون ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو تفصيلًا صغيرًا أمام ما كان يُتداول عن اتصال أكبر:هل حصل تواصل بين عون وترمب؟ هل كان ثنائيًا أم ثلاثيًا؟ ما مضمونه؟أسئلة كثيرة، وإجابات نادرة، في ظل تكتم شديد.
إلى أن حصل الخرق.
حين نقل" التلفزيون العربي" خبر حصول الاتصال بين ترامب وعون، وتبلّغ الأخير وقف إطلاق نار وشيكًا، لم أكن أتعامل مع خبر عادي.
كنت أمام قرار.
عدت إلى مصدري.
أعرفه جيدًا، وأعرف دقة ما ينقله.
لم تكن تلك المرة الأولى، لكن ثقل اللحظة كان مختلفًا.
سألته، دققت، حاولت أن أبحث عن أي تفصيل إضافي.
ثم حسمت.
تبنّيت الخبر.
لم أنقله فقط، وإنما وقفت خلفه، بكل ما يحمله ذلك من مسؤولية.
ضُغط زرّ النشر.
وبدأ الانتظار.
كانت تلك الدقائق الأطول.
رغم ثقتي بالمصدر، كنت أعرف أن القرار السياسي متقلّب، وأن كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة.
كنت أراقب الشاشات، وأتابع أي إشارة، أي تأكيد.
أو حتى نفي.
إلى أن جاء الإعلان الرسمي، مؤكّدًا ما نشرناه.
لحظة هدوء مفاجئة، كأن كل ذلك التوتر انكسر دفعة واحدة.
عندها فقط أدركت أن ما حصل لم يكن مجرد سبق صحفي، وإنما اختبارًا حقيقيًا للثقة: بيني وبين مصدري، وبيني وبين نفسي، والأهم ثقة الإدارة بما أنقل.
لكن اختبار الصحافة لم يكن في الكواليس وحدها.
فالميدان كان بدوره على حافة الخطرالميدان.
حين يلاحقك الخطرلم تكن ألغام السياسة وحدها في المشهد، فالميدان أيضًا كان حقلًا مفتوحًا للمخاطر.
كان هناك مراسلون على الحدود، على بُعد أمتار من قوات الاحتلال.
وآخرون تحت القصف، يلاحقهم الخطر مع كل غارة.
وفريق ينتشر بين بيروت وواشنطن وطهران والقدس، ينقل الصورة من قلب القرار.
بهؤلاء، تحوّل" التلفزيون العربي" إلى مصدر موثوق للمعلومة.
وهنا تتجلى" الصورة الأوضح"، الشعار الذي اختصر ما سعينا إليه.
لم نكن قد التقطنا أنفاسنا بعد حرب 2024، حتى وجدنا أنفسنا مجددًا في مواجهة حرب تضرب كل شيء: الجيش، والإسعاف، والإعلام، والأطفال.
مجازر متنقلة، وكاميرات تلاحقها لتوثيق ما لا يمكن تجاهله.
بالنسبة إليّ، كانت هذه الحرب الثالثة منذ عام 2006، لكنها كانت مختلفة تمامًا.
هذه المرة في البقاع، لا في الجنوب.
أرض لم أختبرها في زمن الحرب من قبل.
تجربة اختلط فيها الحماس بالقلق، حيث يأتي فهم الخطر من التجربة اليومية، لا من الذاكرة.
كان دخول بلدة دورس، بعد ساعات على طلب إخلائها، أول اختبار.
صمت ثقيل وموحش، يشبه صمت الحرب الذي عرفته سابقًا.
خوف يتسلل.
ثم يتبدد في لحظة الوقوف أمام الكاميرا.
تتوالى المهمات، ويتصاعد التحدي.
قبيل منتصف ليل السادس من مارس/ آذار، جاء اتصال بدّل كل شيء:" إنزال إسرائيلي في بلدة النبي شيت".
لم يكن قرار النشر هنا عاديًا.
فخبر بهذا الحجم يعني تحولًا ميدانيًا خطيرًا.
عدت مجددًا إلى المصدر، الميداني والعسكري هذه المرة.
ثقة تراكمت، واختبار جديد.
تبنّيت الخبر.
ونشرناه.
لكن ما رأيناه لاحقًا تجاوز حجم الخبر نفسه.
مشهد يشبه أفلام الحرب: سيارات فوق أسطح المنازل، حفر عميقة، أشلاء، ودماء.
جسر الدلافة.
الطريق إلى المجهولثم جاء استهداف جسر الدلافة، الرابط بين البقاع الغربي والجنوب.
قد يبدو هذا الخبر عاديًا للوهلة الأولى، لكنه لم يكن كذلك في منطقة مصنفة هدفًا دائمًا.
لم يكن قرار التوجه إلى هناك سهلًا.
ولولا إصرار زميلي المصور شربل فرنسيس ودعمه، لما حصل ذلك.
دخلنا ست بلدات فارغة تمامًا.
لا بشر، ولا دليل طريق، ولا أحد يعلم ماذا قد يحدث لك إن وقع طارئ.
من سحمر إلى الدلافة، كانت المسافة تُقاس بالخوف.
وكلما اقتربنا، ابتعد الإحساس بالأمان.
وفوقنا، لم تكن الطائرات الحربية تغيب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك