استهداف الطفولة في فلسطين يزداد توحشاً يوماً بعد يوم، مزيد من الانتهاكات الشيطانية ومزيد من الصمت العالمى، ذلك العالم، الذي اعتدنا فيه شعارات حقوق الطفل والحيوان والصحة النفسية، أصبح لا يرى نظرات الأطفال المرتعدة وعيونهم المليئة بالدموع ومعاناتهم التي لا تناسب طفولتهم وبراءتهم، أطفال يحملون أثقالاً وأهوالاً نعجز نحن على تحملها.
أرى أكتافاً صغيرة تحمل أوعية المياه وأرجلاً ضعيفة تركض وتنزح وتسعى على طعام وأرواحاً بريئة تحاول أن تتحمل وتتشبث بالحياة، هؤلاء من كانت لهم فرصة النجاة، أما أكثر من 20 ألف جسد صغير فهم مدفونون تحت التراب، قتلهم سفاحو الاحتلال المتعطش للدم.
أكتب هذه الكلمات وأتذكر كيف تعلمت فى بلاد البريطانيين تقديس الحالة النفسية، والحرص عليها للحيوان والإنسان، إذ يذهب الكلب أو القطة فوراً للطبيب النفسى إذا ما كان يعانى من انعدام الثقة بالنفس، نظراً لـ«تروما» سابقة حدثت في طفولته، أتذكر مدى حرص طبيبي أنا شخصياً ألا أشعر بالاغتراب والانعزال فى مجتمع مختلف حتى أتمكن من الدراسة.
كل هذه المثاليات نابعة من مجتمعات لم تستطع مؤسساتها الحقوقية الضغط على حكوماتها بقرار واحد رادع وحقيقى للإجرام الصهيونى، بل فى ذات المجتمع تجد من لا يهتم بمآسى الأطفال التى نراها يومياً خلف الشاشات، بيد أن حدثاً واحداً فقط أو صورة واحدة فقط لو كانت لطفل غربى لقامت الدنيا وما قعدت، بل وذهب فيها رؤساء وحكومات، هكذا هى الإنسانية أصبحت بالتمييز العنصرى أيضاً.
أما عن الدراسة فى الضفة الغربية، فلم يعد المشهد يبدأ بصوت جرس المدرسة، بل بصوت خطوات مترددة لطفل يحاول أن يمر.
حقيبته على ظهره، وكتبه بين يديه، لكن الطريق أمامه ليس آمناً، أسلاك شائكة تُغلق الممر، جنود مدججون بالسلاح، وغاز مسيل للدموع يملأ الهواء، هذه ليست لقطة استثنائية، بل واقع موثق عاشه أطفال فى قرية أم الخير جنوب الخليل فى أبريل 2026، حين مُنعوا من الوصول إلى مدارسهم، أطفال تبكى ومحتجزة داخل أسلاك وكأن التعليم أصبح امتيازاً يُنتزع بالقوة لا حقاً مكفولاً.
هذه الحادثة ليست سوى عنوان لفصل أطول من القسوة، في مارس 2026، داخل سيارة عائلية عادية فى بلدة طمون، انتهت حياة طفلين -خمسة وسبعة أعوام- برصاص مباشر، إلى جانب والديهما.
لم يكونوا فى ساحة قتال، بل فى طريق عودة من يوم عادي، الطفل الثالث، الذى نجا، لم ينجُ من «التروما»، إذ روى لاحقاً أنه تعرض للضرب والإهانة.
هنا لا نتحدث عن «أضرار جانبية»، بل عن طفولة تُستهدف فى صميمها، وقبل ذلك، فى جنين، كانت الطفلة ليلى الخطيب، ذات العامين، داخل منزلها، لم تكن تحمل حجراً، ولا تشكل تهديداً، ومع ذلك، انتهت حياتها برصاصة خلال عملية عسكرية، التحقيقات المستقلة لم تجد أى مبرر عسكرى مباشر داخل المنزل، فقط طفلة… قُتلت.
في غزة، الصورة أكثر قسوة واتساعاً، عائلات بأكملها تُمحى فى لحظة.
فى خان يونس، قُتل تسعة أطفال من عائلة واحدة، أعمارهم بين سبعة أشهر واثنى عشر عاماً.
وفى أبريل 2026، غارة واحدة أنهت حياة أطفال آخرين فى يوم واحد، الأرقام تتراكم بسرعة مخيفة، فى الضفة الغربية، المأساة تأخذ شكلاً مختلفاً، لكنه لا يقل وجعاً.
وفق بيانات UNICEF، قُتل عشرات الأطفال خلال عام واحد فقط.
لكن القتل ليس الوجه الوحيد للعنف، هناك أيضاً ما هو أبطأ وأعمق: الخوف اليومى، الإهانة، ومنع التعليم.
تقارير Save the Children تشير إلى تهجير مئات الأطفال فى الشهور الأولى من 2026 وحدها، حيث أصبح «طريق المدرسة» رحلة محفوفة بالخطر، لا تقل قسوة عن أى ساحة مواجهة.
المشكلة لا تكمن فقط فى الأرقام، بل فيما تعنيه، كل طفل يُقتل هو قصة لم تُروَ، وحياة لم تكتمل، كل طفل يُمنع من مدرسته هو مستقبل يُسرق بهدوء، الأخطر أن هذا الواقع أصبح متكرراً إلى درجة الاعتياد، وكأن العالم بدأ يتعامل معه كخبر عادي.
إذن أين ضمير العالم؟ تصدر بيانات الإدانة من United Nations، وتوثق الانتهاكات من قبل Human Rights Watch وAmnesty International، لكن على الأرض، لا يتغير الكثير.
التقارير تُكتب، المؤتمرات تُعقد، لكن الطفل الذى يسير إلى مدرسته لا يشعر بحماية هذه البيانات، الأطفال، فى أى صراع، يجب أن يكونوا خارج المعادلة.
لكن ما يحدث يقول العكس: الطفل أصبح فى قلبها، لأن الهدف هو القضاء على أمة وتجفيف نسلها أو خروج جيل ملىء بالجروح النفسية، لكن المفارقة أن هذا الجيل الجريح المظلوم الذى شاهد قتل أبويه أمام عينيه لن يقف مكتوف الأيدى فى المستقبل.
القضية ليست سياسية، بل أخلاقية، حين يُحاصر طفل بأسلاك شائكة وهو يحمل كتبه، فإن السؤال يكون كيف وصل العالم إلى درجة يرى فيها هذا المشهد.
ويمضي دون أن ينتفض؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك