فجعت تركيا، الأسبوع الماضي، بأخبار مجزرة مروعة وقعت في إحدى المدارس في مدينة مرعش جنوب شرقي الأناضول.
مرتكب المجزرة طفل في الرابعة عشرة من عمره، وضحاياها تسعة تلاميذ في العمر نفسه إضافة إلى أحد المعلمين.
فقد دخل هذا التلميذ المدرسة التي ينتمي إليها حاملاً في حقيبته المدرسية خمسة مسدسات مع سبعة مخازن ذخيرة وراح يطلق النار على زملائه داخل الصفوف الدراسية.
جريمة سبق وعرفنا مثيلا لها في بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت أولاها في العام 1999.
أما في تركيا فهذه هي الثانية.
فقبل يوم واحد وقعت جريمة مشابهة في ولاية أورفة أيضاً، خلفت عدداً من الجرحى، قام بها طالب سابق في المدرسة ببندقية صيد ثم انتحر.
قاتل أورفة في التاسعة عشرة من عمره، لم يتمكن من إتمام تعليمه، فانتقم “من العالم” بتوجيه غضبه ضد زملائه ومعلميه السابقين.
في حين أن الطفل القاتل في جريمة مرعش ما زال تلميذاً في المدرسة، ودخل أثناء الدوام كما يفعل كل صباح.
ونقل عنه شهود عيان ممن نجوا من المجزرة أنه صرخ باللغة الإنكليزية قائلاً: “لن ينجو أحد! ” (no escape! ).
امتلأت أعمدة الصحف والبرامج الإخبارية والحوارية بمحاولات لتفسير دوافع الطفل، وللبحث في أنجع الوسائل الممكنة لعدم تكرار وقوع أحداث مماثلة، وما هي الأسباب الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية التي جعلت هذه الجريمة ممكنة.
ولم تخل التحليلات من الميول السياسية لمطلقيها، فمقابل اختزال الأصوات الموالية للسلطة للحدث إلى بعده السيكولوجي الفردي مع اتهام موجه للمسلسلات التلفزيونية وألعاب الفيديو التي تروج للعنف، نزعت الأصوات المعارضة إلى قطع فاتورته لـ”حال البلاد” المسؤولة عنها السلطة السياسية المزمنة.
في جريمة أورفة الدافع معروف، ومن السهل تحميل المسؤولية للنظام التعليمي الذي يضم في تركيا ملايين الطلاب، وينبذ أكثريتهم الساحقة بواسطة مقصلة الامتحانات، فلا تصل إلا نخبة صغيرة منها إلى نهاية الطريق، في بلد يتوقف فيه الارتقاء الاجتماعي على النجاح الدراسي، في حين يتم تهميش البقية التي تنضم إلى جيش العاطلين عن العمل المتضخم باستمرار.
ويشكل هؤلاء المهمشون احتياطياً كبيراً لعالم الجريمة المنظمة المزدهر في تركيا.
أول ما يخطر في البال إثر مجزرة المدرسة في مرعش هو التساؤل عن مدى تواصلنا مع أطفالنا ومعرفة ما يدور في أذهانهم الغضة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك