فقدت مملكة البحرين أحد أبرز رموزها التراثية والبحرية، بوفاة صانع السفن التقليدية محمد نجيب أحمد جاسم التيتون، المعروف بلقب «عميد القلاليف»، بعد مسيرة امتدت لعقود طويلة كرّسها لخدمة مهنة صناعة السفن الخشبية والحفاظ على إرثها العريق.
ويُعد التيتون من آخر الممارسين المحترفين لحرفة «القلافة» في البحرين، إذ ارتبط اسمه بصناعة السفن التقليدية في حي النعيم، حيث شكّلت «عمارة التيتون» ورشته ومقرّ عمله، والتي تحولت مع الزمن إلى ذاكرة حيّة توثّق تفاصيل هذه المهنة وأدواتها ومصطلحاتها.
وامتدت خبرته لأكثر من نصف قرن، صنع خلالها عشرات السفن الخشبية بمختلف أحجامها، وأسهم في إصلاح مئات السفن في البحرين وخارجها، كما عُرف بإتقانه العالي ومعرفته الدقيقة بأسرار المهنة التي توارثها عبر الأجيال، ما جعله مرجعًا مهمًا في هذا المجال.
ولم يقتصر دور الراحل على الجانب الحرفي، بل برز أيضًا كأحد أبرز الموثقين لتاريخ صناعة السفن في البحرين والخليج، من خلال مؤلفاته التي تناولت تفاصيل المهنة، وأسماء السفن، وأدوات القلاليف، والنواخذة، إضافة إلى المصطلحات البحرية التي كانت متداولة في الماضي، في محاولة منه للحفاظ على هذا الإرث من الاندثار.
كما شارك التيتون في العديد من الفعاليات التراثية، وكان حاضرًا في الذاكرة الثقافية باعتباره شاهدًا على مرحلة تاريخية شكّلت فيها السفن الخشبية عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البحرين، قبل أن تتراجع هذه المهنة مع التحولات الحديثة.
ويمثّل رحيله خسارة للذاكرة الوطنية المرتبطة بتاريخ البحر، إذ لم يكن مجرد صانع سفن، بل كان حارسًا لذاكرة مهنة عريقة، وراويًا لتفاصيلها، وصوتًا نادى طويلاً بضرورة الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
وبرحيل التيتون، تطوي البحرين صفحة من صفحاتها البحرية الأصيلة، تاركًا خلفه إرثًا مهنيًا وثقافيًا يُعدّ من أهم الشواهد على تاريخ صناعة السفن في المملكة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك