يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: " أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره".
ويبدو أن المشهد السياسي العالمي اليوم يعيدنا قسراً إلى الوراء، وتحديداً إلى القرن الخامس قبل الميلاد، لنرى تشابهاً مذهلاً بين منطق القوة في اليونان القديمة وبين التوجهات التي تبناها الرئيس ترامب في إدارته.
منطق القوة: من أثينا إلى واشنطنفي كتابه" تاريخ الحرب البيلوبونيسية"، نقل لنا المؤرخ والقائد العسكري ثوسيديدس (Thucydides) تفاصيل" حوار ميليان" الشهير، حيث واجه الأثينيون سكان جزيرة ميلوس الضعيفة بمنطق مجرد من الأخلاق: " الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحمّلون ما يجب عليهم تحمّله".
هذا المنطق التاريخي وجد صدىً واضحاً في لغة إدارة ترامب.
ففي يناير، وعند الحديث عن التدخلات العسكرية الأحادية، وُصفت تلك التحركات بأنها انعكاس لـ" القوانين الحديدية" التي تحدد موازين القوى.
ولم يكن ستيفن ميلر، مستشار البيت الأبيض، أقل صراحة حين صرّح بأننا نعيش في عالم" تحكمه القوة والإكراه والسلطة".
لم يكتفِ ترامب بتبني هذا المنطق نظرياً، بل طبقه في تعامله مع الملفات الدولية:غرينلاند والدنمارك: التعامل مع سيادة الدول بمنطق الاستحواذ والسيطرة.
كوبا وإيران: التهديد المباشر الذي وصل في السابع من أبريل إلى حد التلويح بـ" إبادة الحضارة الإيرانية بأكملها"، وهو خطاب يتجاوز الخلاف السياسي إلى منطق التدمير الشامل الذي واجهته ميلوس قديماً.
إن القوة العظمى، مهما بلغت سطوتها، لا يمكنها البقاء في فراغ.
إصرار ترامب على مقولة" لسنا بحاجة إلى مساعدة أحد" هو وصفة للعزلة الدولية.
فالولايات المتحدة التي ساهمت في بناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تخاطر اليوم بالبقاء وحيدة في نظام فوضوي بلا حلفاء أو أصدقاء.
التاريخ يخبرنا أن الغطرسة السياسية والمبالغة في استخدام القوة كانت دائماً مقدمة للنهايات المأساوية.
ثوسيديدس سجل لنا كيف أدى الطموح الزائد والتوسع غير المحسوب لأثينا إلى دمارها وضياع شعلة الحضارة اليونانية حينها.
فهل يقود ترامب الأمريكيين نحو مصير مماثل؟ وهل تتحول القوة العظمى الوحيدة إلى ضحية لنفس المنطق الذي حاولت فرضه على العالم؟ إن التاريخ يراقب، والإجابة تكمن في قدرة القادة على تعلم الدروس قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك