في كثيرٍ من قرى عسير قديما وقد يكون ماثلا حتى الآن في أحوال محدودة، لم يكن استقبال الضيف يبدأ عند باب البيت، وإنما يبدأ منذ اللحظة التي يلوح فيها القادمون على مشارف القرية.
هناك، تتشكل صورة اجتماعية عميقة الجذور، تتجاوز معنى الترحيب العابر إلى طقسٍ جمعي تتداخل فيه المهابة بالمودة، والعرف بالمحبة، حتى يغدو الضيف داخل حكايةٍ كاملة لا داخل زيارةٍ عابرة.
يصطف أهل القرية أو القبيلة في صفٍّ طويل، ويقف الضيوف بإزائه في صفٍّ آخر، فتتقابل الوجوه كما تتقابل النيات.
تتردد عبارات الترحيب المألوفة، وقد تختلف في ألفاظها قليلًا من قبيلةٍ إلى أخرى، غير أنها تتفق في معناها الواسع: أهلًا بمن جاء، ومرحبًا بمن حلّ، وحيا الله من أقبل.
تتعالى الأصوات في نسقٍ واحد، حتى يبدو المشهد كأنه نشيدٌ اجتماعي قديم، تحفظه الذاكرة جيلاً بعد جيل، وتردده الألسنة بثقةٍ لا تحتاج إلى تعليم.
وما إن تنتهي لحظة الاصطفاف والترحيب، حتى ينبري أحد كبار المضيفين أو أكثرهم خبرةً ليقوم بتقسيم الضيوف إلى ما يسمى “الفروق”، ومفردها “فرْق”.
وقد يضم الفرق خمسة رجال أو عشرة ويتوزع الصبْية معهم كذلك، وربما زاد العدد أو نقص بحسب عدد القادمين واتساع المناسبة، وليس هذا التقسيم عملًا تنظيميًا فحسب، وإنما هو صورة أخرى من صور الاحتفاء؛ إذ يشعر كلّ فريقٍ من الضيوف أنه صار موضع عناية بيتٍ كامل، لا مجرد فردٍ واحد.
وكانت البيوت الكبيرة في القرية تُعرف سلفًا بأنها بيوت عامرة مشرعة لمثل هذا الطقس، فيخصص كبار القرية أربعة بيوت أو خمسة، وربما أكثر؛ لاحتضان الضيوف قبل الوليمة الرئيسة، يدخل كل فرقٍ إلى البيت الذي خُصص له، فتُهيأ المجالس، وتُقدم القهوة يتبعها الشاي، ثم يحضر البر والسمن والعسل، وتفوح رائحة بخور العود في أرجاء المكان، حتى يشعر الضيف أنه لم يدخل بيتًا غريبًا، وإنما دخل بيتًا يعرفه منذ زمن.
وتتلو هذه الاستضافة الوليمةُ الكبرى، سواء أ كانت غداءً أم عشاءً عند صاحب المناسبة الذي كان سببًا في قدوم الناس، غير أن الوليمة، على أهميتها، لا تبدو في الذاكرة أجمل من تلك اللحظات الأولى؛ لحظة الصفين المتقابلين، وتقسيم الفروق، وتوزع الضيوف على البيوت؛ ففي تلك التفاصيل الصغيرة تتجلى روح عسير الحقيقية: كرمٌ لا يكتفي بالإطعام، وترحابٌ لا يكتفي بالكلمات، واحتواءٌ يجعل الغريب واحدًا من أهل المكان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك