نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته ناحال توسي وزاك كولمان وبول ماكليري، قالوا فيه إن طريقة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلبة مع إيران تسرع بفك علاقة الولايات المتحدة مع العالم.
وجاء في التقرير أن الحرب ضد إيران تلحق الضرر بتأثير الولايات المتحدة العالمي، وتفاقم التوترات مع دول عانت أصلا من اضطرابات حادة خلال ولاية ترامب الثانية، مشيرة إلى أنه تراجع في النفوذ ربما يصعب عكسه، إذ يستغل خصوم الولايات المتحدة، كالصين، هذا الوضع.
فمن بنغلاديش إلى سلوفينيا، أدى تقنين الوقود إلى شل حركة النقل، مما زاد من مشاكل القادة الذين يواجهون تداعيات حرب لم يرغبوا فيها.
وقالت المجلة إن الخطابات المعادية لأمريكا في الدول ذات الأغلبية المسلمة تسيطر على وسائل الإعلام، وعادة بموافقة ضمنية من الحكومات.
الحرب ضد إيران تلحق الضرر بتأثير الولايات المتحدة العالمي، وتفاقم التوترات مع دول عانت أصلا من اضطرابات حادة خلال ولاية ترامب الثانيةوقرر حلفاء أمريكا في حلف الناتو حتى الامتناع أو الحد من مساعداتهم للولايات المتحدة، حيث أكد بعضهم أن إدارة ترامب لم تستشرهم قبل شن الحرب على إيران.
ويرى البعض أن الحرب تعمل على فك علاقة أمريكا مع معظم دول العالم، وقد زادت وتيرة هذا الانفكاك منذ عودة ترامب الثانية وبدء استعراضه القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية بطرق عشوائية، بما في ذلك فرض الرسوم الجمركية.
ونقلت المجلة عن دبلوماسي من آسيا طلب عدم الكشف عن هويته: “لقد سئم الكثيرون من الفوضى التي أدت إليها هذه الحرب ويخشون من تداعياتها الاقتصادية المحتملة، لكنني لم أر أي احتجاجات كبيرة ردا على ذلك”.
وعبر عن أمله في تحسن الأمور لو فاز شخص أكثر عقلانية بمنصب الرئيس القادم للولايات المتحدة، و”قد تتحسن صورة الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر يثير لدى صانعي السياسات تساؤلات صعبة طويلة الأمد حول التحالف وإلى أي مدى يمكننا التمسك بتحالفنا مع الولايات المتحدة وما يجب علينا فعله إذا لم نعد قادرين على الاعتماد عليها”.
وتقول المجلة إنه في أحدث مؤشر على ابتعاد القوى الأجنبية عن الولايات المتحدة، وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني العلاقات الاقتصادية لبلاده مع الولايات المتحدة بأنها “نقاط ضعف” يجب معالجتها، وذلك في رسالة مصورة بثت يوم الأحد.
وعزا بعض المسؤولين السابقين الوضع إلى تردد ترامب المستمر بشأن ما يريد تحقيقه في إيران.
ونقلت المجلة عن توماس رايت، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في إدارة بايدن، والذي ركز على الاستراتيجية طويلة المدى: “الحلفاء لا يعرفون ما يصدقون، والخصوم لا يعرفون ما يخشون، وحتى حكومته لا تعرف ما هي استراتيجيته أو نواياه الحقيقية، فالتوقعات طويلة المدى ليست كارثية، لكن السؤال هو: ماذا ستفعل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران خلال العامين والتسعة أشهر القادمة إذا استمر هذا التخبط؟ ”.
ودافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، عن نهج ترامب، قائلة إن سياسته “أمريكا أولا” قد أثمرت عن اتفاقيات تجارية أفضل وشراكات قوية لمكافحة تهريب المخدرات وزيادة في الإنفاق الدفاعي من جانب الحلفاء.
وكررت كيلي ما يقوله المسؤولون الأمريكيون: “تحدث قادة العالم عن التهديد الذي تمثله إيران طوال 47 عاما، لكن لم يجرؤ أحد على مواجهته.
وبمجرد تحقيق جميع أهدافنا، بما في ذلك القضاء على التهديد النووي الإيراني نهائيا، سيصبح العالم بأسره أكثر أمانا واستقرارا ورفاهية”.
الحلفاء لا يعرفون ما يصدقون، والخصوم لا يعرفون ما يخشون، وحتى حكومة ترامب لا تعرف ما هي استراتيجيته أو نواياه الحقيقيةومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير، تلقى قطاع الطاقة العالمي ضربة قوية جراء إغلاق مضيق هرمز والهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الشرق الأوسط.
وأصبحت الولايات المتحدة، التي كانت بالفعل أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، في مركز قوة في أسواق الطاقة العالمية، وإن على المدى القريب، لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة.
وشهدت الدول الآسيوية تقلبا في أسعار الطاقة، حيث فرض بعضها على العاملين العمل من بيوتهم أو أوقفت الصادرات لترشيد استهلاك الوقود، وتعهدت من جانب آخر بتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وإعادة تشغيل محطات الطاقة النووية.
وتسعى أوروبا، حرصا منها على الاستفادة من درس الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى تجنب الاعتماد على مورد واحد للطاقة، وتخطط بدلا من ذلك لتوسيع برامج كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ونشر المزيد من المركبات الكهربائية.
وباتت الدول التي تبحث عن بدائل للوقود الأحفوري تبحث عن طرق أخرى لتوليد الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية كضرورة ملحة، وقد يتجه الكثيرون إلى الصين، التي تسيطر على الغالبية العظمى من سلاسل إمداد الطاقة الشمسية.
وتنتج بكين المركبات الكهربائية بأسعار زهيدة، وتتحكم في معظم المعادن اللازمة للطاقة النظيفة والبطاريات.
وقال رئيس بنك التنمية الآسيوي، ماساتو كاندا، الأسبوع الماضي في فعالية لمجلس العلاقات الخارجية بواشنطن: “الهدف هنا ليس مجرد تجاوز الصدمة، بل استغلال هذه الفترة من عدم اليقين لبناء أساس لاستقرار أكثر استدامة”.
ومع استمرار الحرب، بات من المستحيل تجاهل الضغط الواقع على التحالفات العسكرية الأمريكية.
ففي حروب سابقة في المنطقة، نجح رؤساء الولايات المتحدة في حشد حتى الحلفاء المترددين.
وعقدت بريطانيا وفرنسا عدة اجتماعات مع عشرات الدول الحليفة، باستثناء الولايات المتحدة، لوضع خطة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا بعد انتهاء الحرب.
وتهدف المبادرة الأوروبية إلى تنفيذ عمليات دفاعية لحماية الملاحة التجارية في المضيق، إلا أن التوقيت والقوات المشاركة لا يزالان قيد الدراسة.
ويتزامن هذا مع بحث الاتحاد الأوروبي عن سبل تعزيز آلية الدفاع الجماعي للتكتل ومحاولة اختبار المادة 42.
7، وذلك في خطوة قد تكون ردا على تهديدات إدارة ترامب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند بالقوة.
كل هذا لا يعني نهاية العلاقات الدفاعية الأمريكية الراسخة في جميع أنحاء العالم، والتي يصعب تفكيكها، مع أن ترامب هدد بإنهاء بعضها، بما في ذلك الانسحاب من حلف الناتو، لكنه لم يتخذ أي خطوات جادة في هذا الاتجاه.
ولا تزال العديد من الدول، رغم استيائها من ترامب، ترغب في الاستفادة من القوة العسكرية الأمريكية.
وفي الشرق الأوسط، أثارت الهجمات الأمريكية على إيران ردود فعل متباينة.
ألحقت الحرب ضررا بسمعة الولايات المتحدة ونفوذها في الدول التي تواجه فيها جهودها لتعزيز العلاقات منافسة شديدةفلطالما كانت إسرائيل شريكا قويا في الحرب ضد إيران، ويبدو أنها عازمة على إضعاف الجمهورية الإسلامية قدر الإمكان، إن لم تتمكن من الإطاحة بالنظام بشكل كامل.
وفي حين حاولت دول الخليج العربي ثني الولايات المتحدة عن هجماتها الأولى على إيران، فقد عبرت عن غضبها من الضربات الإيرانية الانتقامية على أراضيها.
كما انحازت الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، وبشكل متزايد إلى جانب الحرب التي تقودها الولايات المتحدة، حتى مع ورود تقارير تفيد بأنها قد تلمح إلى احتمال حاجتها إلى دعم مالي من واشنطن.
كما وألحقت الحرب ضررا بسمعة الولايات المتحدة ونفوذها في الدول التي تواجه فيها جهودها لتعزيز العلاقات منافسة شديدة.
وفي برقية دبلوماسية، الخميس الماضي، حذر دبلوماسيون أمريكيون في السفارة الأمريكية بدوشانبه، عاصمة طاجيكستان، من أن “الصراع في إيران أدى إلى ظهور خطاب مناهض لأمريكا في بيئة الإعلام الطاجيكية الخاضعة لقيود مشددة، حيث يعزز الفاعلون الأجانب نفوذهم، وتسعى وسائل الإعلام المحلية إلى جذب المشاهدات والحصول على تمويل خارجي”.
وجاء في البرقية: “يبذل منافسونا جهودا كبيرة لضمان هيمنة الخطاب الإعلامي في بلد يقع على مفترق طرق الصين وأفغانستان وروسيا وإيران”.
كما وصفت برقيات مماثلة، أرسلها دبلوماسيون أمريكيون في البحرين وإندونيسيا وأذربيجان، والتي سبق أن نشرتها “بوليتيكو”، انتشارا واسعا للخطاب المعادي للولايات المتحدة.
وحذرت البرقيات من أن أمن أمريكا وعلاقاتها الدبلوماسية باتت في خطر في بعض الحالات.
كما فاقمت تحركات ترامب في إيران من شعور بعض حلفاء الولايات المتحدة بالعزلة، عندما أطلق “مجلس السلام”، الذي كان من المفترض أن يكون هيئة للمساعدة في تنفيذ الاتفاق بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، لكن النقاد بدأوا يشتبهون في أنه مصمم ليحل محل الأمم المتحدة.
وكانت المجر وبلغاريا العضوين الوحيدين في الاتحاد الأوروبي اللذين انضما رسميا إلى المجلس عند إطلاقه في شباط/فبراير، أما دول الاتحاد الأوروبي الأخرى فقد التزمت الحياد بإرسال مراقبين فقط، وأكدت بلجيكا ترددها يوم الاثنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك