الجزائر ـ “القدس العربي”:لم يهدأ الجدل في الجزائر حول حادثة منع كتاب “الهويات المتمردة” للباحثة في علم الاجتماع فاطمة أوصديق والذي يعالج خصوصية منطقة وادي ميزاب في الجنوب الشرقي للبلاد؛ فبعد بيان دار النشر المندد بالقرار ظهرت الرواية الرسمية للأسباب، بينما طرح سياسيون وكتاب أبعادا أخرى للقضية تتعلق بحدود معالجة القضايا الهوياتية الحساسة في المجتمع.
وكانت السلطات قد منعت تنظيم جلسة بيع بالتوقيع للكتاب الذي كان مبرمجا مساء السبت الماضي بمكتبة “الفنون الجميلة” بالعاصمة، حيث تدخلت الشرطة في حدود الساعة الرابعة و40 دقيقة، وقامت بحجز نسخ من الكتاب وإغلاق المكتبة.
وبحسب مدير نشر منشورات “كوكو” أرزقي آيت العربي، فقد تم إبلاغ مسيري المكتبة بقرار غلق لمدة شهر.
ولعل التطور الأبرز منذ ذلك اليوم، كان تدخل مؤسسة المكتبة الوطنية بصفتها الرسمية التي نقلت النقاش من خانة “المنع” إلى خانة “عدم الامتثال للإجراءات القانونية”.
وورد في بيانها أن الكتاب لم يُودَع لدى مصالح الإيداع القانوني كما تنص عليه التشريعات المعمول بها، والتي تفرض تسليم نسخ من أي مؤلف بعد سحبه وقبل تداوله.
كما كشفت عن استعمال رقم ISBN (رقم تعريفي للكتاب) يعود إلى كتاب آخر صدر سنة 2022، ما يجعل العمل، وفق نفس البيان، “غير مسجل وغير مودع” لدى الجهات المختصة.
غير أن هذا التوضيح الرسمي لم يُنهِ الجدل، خاصة بعد الاتهامات الواردة في بيان دار النشر “كوكو” والتي تحدثت عن مناخ كامل من التضييق يطال حرية النشر.
ففي نص شديد اللهجة، تحدّث مدير الدار أرزقي آيت العربي عن “تجاوزات خطيرة” طالت الحريات الأكاديمية وحق المواطنين في الثقافة، مبرزا أن ما جرى يوم السبت 18 أبريل لم يكن سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة من الضغوط.
واعتبرت الدار أن ما حدث لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الضغوط التي تطال قطاع النشر، مشددة على أن العمل محل الجدل هو ثمرة سنوات من البحث السوسيولوجي حول منطقة وادي مزاب، وأن صاحبته تُعد من الأسماء المعروفة في الأوساط الأكاديمية.
كما استندت إلى الدستور للتأكيد على أن منع أي منشور لا يتم إلا بقرار قضائي، معتبرة أن الإجراءات المتخذة تطرح إشكالا قانونيا بقدر ما تطرح سؤالا سياسيا.
ونظرا لتداخل موضوع الكتاب مع الشأن السياسي، برزت تعليقات لسياسيين أبرزهم جيلالي سفيان، الرئيس السابق لحزب “جيل جديد”، الذي وجّه رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية، اعتبر فيها أن ما حدث “تطور مقلق” يعكس تحولا تدريجيا في المناخ العام للتعبير.
وفي قراءة تتجاوز الواقعة في حد ذاتها، أشار جيلالي سفيان إلى أن تكرار مثل هذه الأحداث، حتى وإن كانت مبررة في ظاهرها باعتبارات تنظيمية، يساهم في ترسيخ مناخ من الحذر والشك، ويضعف الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وذكّر بما وصفه بالتعهدات السابقة لتعزيز الحريات وتكريس التعددية، معتبرا أن الحفاظ على الاستقرار لا ينفصل عن ضمان فضاء مفتوح للنقاش والمبادرة الفكرية.
وبينما اتجهت بعض المواقف نحو النقد الحاد، اختارت أصوات أخرى مقاربة أكثر توازنا، على غرار الكاتب والناشر بشير مفتي، الذي عبّر عن رفضه المبدئي للرقابة، لكنه في الوقت ذاته دعا إلى قراءة نقدية لسلوك بعض الفاعلين في قطاع النشر.
واعتبر أن جزءا من الجدل كان يمكن تفاديه من خلال اختيار عناوين أقل استفزازا أو إثارة للالتباس، مشيرا إلى أن مواضيع حساسة، مثل تاريخ اليهود في الجزائر أو خصوصيات منطقة وادي مزاب، طُرحت سابقا في كتب عديدة دون أن تثير نفس ردود الفعل.
ويرى مفتي أن الإشكال لا يتعلق فقط بالمنع أو الحرية، بل أيضا بطريقة تقديم المواضيع، متهما بعض الناشرين بـ”تغذية الجدل” دون مبررات واضحة، في وقت يعاني فيه قطاع الكتاب من أزمات أعمق تتعلق بضعف القراءة والتوزيع.
ويُقدَّم كتاب “الهويات المتمردة” على أنه ثمرة سنوات من البحث السوسيولوجي حول تاريخ ومجتمع وادي مزاب، ويحمل عنوان “الهويات المتمردة – إعادة التفكير في التاريخ الخاص”.
ويقدم العمل، وفق دار النشر، قراءة نقدية لما جرى في غرداية، حيث ترفض المؤلفة التفسيرات الثقافوية السطحية، معتبرة أن ما حدث هو نتاج أزمة سياسية واجتماعية، وليس حتمية ثقافية.
كما يسعى إلى تفكيك الخطابات السائدة التي، بحسب تقديمه، تساهم في تكريس الانقسام وإخفاء المسؤوليات الحقيقية، مع إعادة الاعتبار للأصوات المهمشة وتحليل آليات الهيمنة، والدعوة إلى إعادة النظر في أنماط الحوكمة.
وتعود أحداث ولاية غرداية الواقعة في الجنوب الشرقي للجزائر، إلى نحو 15 سنة، حيث شهدت أعمال عنف بين أتباع المذهبين المالكي والإباضي المنتشر في المنطقة، أدت إلى تدخل السلطات على أعلى مستوى من أجل التهدئة وإعادة الأمور إلى نصابها.
وخلفت تلك الأحداث، العديد من المتابعات القضائية التي طالت نشطاء.
ويظهر على غلاف الكتاب عن صور لثلاث شخصيات ارتبطت بمنطقة وادي ميزاب، هي الشيخ ابراهيم بيوض، أحد رواد الحركة الاصلاحية الدينية وهو إباضي المذهب، والشاعر مفدي زكرياء مؤلف النشيد الوطني “قسما” وهو ابن المنطقة، والدكتور كمال الدين فخار الناشط السياسي الذي توفي في السجن بعد أحداث غرداية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك