لم تعد أزمة الأسرة المصرية قضية يمكن اختزالها في تعديلات قانونية أو إجراءات قضائية منفردة، لأن جوهر الأزمة لم يعد في «النصوص»، بل في الطريقة التي ندير بها ملف الأسرة نفسه.
فنحن اليوم لا نواجه فقط ظاهرة طلاق أو نزاعات أسرية، بل نواجه خللاً أعمق: «أننا نتعامل مع الأسرة بعد أن تهتز… لا قبل أن تُبنى - كيف نبني أسرة لا تصل أصلاً إلى لحظة الانهيار؟ - الأزمة ليست قانوناً.
بل غياب منظومة».
ونحن لدينا أدوات متعددة: «قانون للأحوال الشخصية، محاكم للأسرة، جهود للصلح والتوعية، مبادرات اجتماعية متفرقة»، لكن المشكلة ليست في وجود هذه الأدوات، بل في غياب «المنظومة التي تجمعها»، فنحن نتعامل مع الأسرة كملف يُفتح عند الأزمة، لا كمسار حياة يحتاج إلى بناء منذ البداية.
الحل الحقيقي لا يكمن في إضافة إجراء جديد، بل في تغيير الفلسفة بالكامل: من إدارة النتائج… إلى منع الأسباب من التكوين أصلاً.
وهذا يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة تعمل عبر أربع مراحل مترابطة:المحور الأول: الطفولة - بناء الوعي الأول الطفل يتعلم كل شيء تقريباً، لكنه لا يتعلم ما هو الأهم: كيف تُبنى العلاقات الإنسانية داخل الأسرة، لذا فإن إدخال مفاهيم الوعي الأسري داخل مراحل التعليم لا يعني تدخلاً في الخصوصية، بل يعني إعداد إنسان اجتماعي متوازن، قادر على فهم معنى الأسرة مستقبلاً، فالأسرة لا تبدأ عند الزواج… بل تبدأ في التكوين منذ الطفولة.
المحور الثاني: ما قبل الزواج - التأهيل والإعداد الزواج أحد أهم التحولات في حياة الإنسان، وربما يكون المؤثر الأكبر فيها، ومع ذلك يتم غالباً دون أي إعداد حقيقي.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى برنامج تأهيلي اختياري للمقبلين على الزواج يهدف إلى: «فهم المسؤوليات الواقعية - إدارة الخلاف - تحسين مهارات التواصل - ضبط التوقعات قبل الدخول في الحياة الزوجية».
فالمشكلة الحقيقية ليست في الزواج… بل في الدخول إليه دون أدوات.
المحور الثالث: أثناء الحياة الزوجية - الدعم قبل الانفجار كثير من النزاعات الأسرية لا تبدأ فجأة، بل تنمو بصمت.
لكن غياب التدخل المبكر يجعل الخلاف يتحول من مشكلة قابلة للحل إلى أزمة.
لذلك تبرز الحاجة إلى منظومة دعم أسري مبكر تقوم على: «استشارات نفسية واجتماعية - تدخل مبكر قبل تفاقم النزاع - إرشاد غير قضائي لحل الخلاف».
المحور الرابع: قبل القضاء - مساحة الإصلاح المفقودة عندما تصل الأسرة إلى المحكمة، تكون قد مرت بمراحل طويلة من التراكم دون تدخل كافٍ، لكن بين الخلاف والقضاء توجد مساحة مفقودة: «مساحة الإصلاح المبكر»؛ من خلال وحدات توجيه أسري محلية تدعم محاولة الصلح عن طريق عقد جلسات تدخل وإعداد تقارير استرشادية تساعد القضاء، وبذلك يصبح القضاء مرحلة أخيرة لا أول خطوة في مسار النزاع.
منظومة واحدة.
لا مراحل منفصلةهذه المحاور ليست منفصلة، بل تمثل نظاماً متكاملاً: «طفل يُبنى وعيه - شاب يُؤهَّل - أسرة تُدعم - نزاع يُحتوى قبل القضاء».
هنا يتحول مفهوم الأسرة من «حالة طارئة» إلى «منظومة حياة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك