لم تعد حوادث الانتحار بعيدة عن مسامع الأطفال، مابين خبر عابر على الهاتف، حديث سريع بين الكبار، أو صورة تتسلل من شاشة مفتوحة، وقد سمعنا خلال شهر واحد فقط عن عدد من تلك الحوادث، ليجد الطفل نفسه أمام سؤال أكبر من عمره" ليه حد يعمل كده في نفسه؟ "، هنا يبدأ الاختبار الحقيقي، ويبقى دور الأهل والمجتمع في توعية أولادنا بهذا الخطر الجسيم.
منال السيد أم لولدين في المرحلة الابتدائية أوضحت أن أول رد فعل لها تجاه تكرار هذه الحوادث في فترة قصيرة كان الخوف من الكلام أصلًا مع أولادها، وحاولت تغيير الموضوع، ثم اكتشفت أن الصمت لم يُلغِ السؤال، بل زاده" لقيتهم بيسألوا بعض، وكل واحد بيخترع تفسير" قررت تتحدث معهم ولكن بطريقة بسيطة ليتمكنو من استيعاب الكلام، وقالت لهم" في ناس بتتعب قوي من جوه، وبتحتاج مساعدة، عشان كدة لازم لما نزعل نطلب المساعدة من الأكبر مننا، وكمان" مفيش مشكلة من غير حل، ومفيش زعل يستاهل نؤذي نفسنا عشانه".
" الأطفال لا يحتاجون قصة كاملة، بل يحتاجون إحساس بالأمان" هذا ما أكدة حامد عبد الله أب فى الخمسين من عمره، مؤكدا" كنا أطفال وشباب، وجميعنا مر بلحظات ضيق وحزن تجعله يفكر في هذا الفعل، لكن لم يكن لدينا القدرة ولا الجرأة لفعل هذا، أما اليوم فتكرار هذه الحوادث على مسامع ابنائنا يجعلهم للأسف يتعاطفون ويرون فيهم نموذج تقيده سيجعل الكل يتعاطف معهم".
مستطردا" عشان كدة لما أولادنا يحبو يسألوا عن مثل هذه الحوادث، ماينفعش نهرب من السؤال، وعلينا أن نشرح بهدوء أن إيذاء النفس تصرف خطأ، لكن دون شيطنة أو قسوة".
أنور محمود شاب في العشرينات يتذكر موقفًا من طفولته، حين سمع عن حادث مشابه، ولم يجد من يشرح له، " افتكرت إن اللي بيعمل كده بيبقى بطل أو بيهرب من حاجة كبيرة"، يبتسم بحرج ويضيف، " الفكرة دي فضلت معايا سنين لحد ما فهمت الحقيقة" مؤكدًا أن أخطر ما يمكن هو ترك الطفل يكوّن فهمه وحده.
علم النفس: التعرض المتكرر لمشاهد الانتحار يزيد القابلية للتنفيذ.
والأسرة «خط الدفاع» الأولومن جانبها أوضحت الدكتورة إيمان عبد الله، استشاري العلاقات الأسرية، أن التعرض المتكرر لمشاهد الانتحار عبر السوشيال ميديا، خاصة مع وجود هشاشة نفسية لدى الأطفال والمراهقين، لم يعد مجرد عامل تأثير عابر أو سلوك تقليد، بل تحول إلى عنصر يعيد تشكيل إدراكهم للألم والموت بصورة أعمق وأكثر خطورة.
وفي هذا الإطار، لفتت إلى أن طبيعة المرحلة العمرية تجعل التعاطف لديهم مرتفعًا لكنه غير منضبط، وهو ما قد يؤدي إلى انزلاق هذا التعاطف من كونه شعورًا إنسانيًا طبيعيًا إلى تمجيد غير مباشر للفعل، خصوصًا عندما يُقدَّم الانتحار في سياق درامي أو يُقابل بتفاعل عاطفي واسع على منصات التواصل.
ومع استمرار التعرض لهذا النوع من المحتوى، أشارت إلى أن هناك حالة من التبلد التدريجي في المشاعر تبدأ في التكوّن، حيث يفقد الطفل أو المراهق جزءًا من حساسيته تجاه الألم والموت، ويتراجع الخوف الفطري الذي يمثل في الأصل أحد أهم آليات الحماية النفسية لدى الإنسان.
وتؤكد أن الخطورة لا تتوقف عند حدود المشاهدة، إذ يدخل بعض المراهقين في مرحلة من «المحاكاة الذهنية»، حيث يعيدون بناء المشهد داخل عقولهم بتفاصيله الكاملة، ويتخيلون أنفسهم داخل السيناريو ذاته، وهو ما يشبه إعدادًا نفسيًا متكررًا قد يقرّب الفعل من التنفيذ.
وتوضح أن الدافع الأساسي في هذه الحالات لا يكون مرتبطًا بالرغبة في الموت بقدر ما يعكس محاولة للهروب من الألم النفسي أو الضغوط، في ظل غياب بدائل حقيقية أو مهارات كافية لإدارة الأزمات أو التعبير عن المشاعر بشكل صحي.
وفيما يتعلق بمفهوم التعاطف، فرّقت دكتورة إيمان بين نوعين أساسيين؛ الأول هو التعاطف الصحي الذي يظل واعيًا بالألم ويسعى لفهمه والبحث عن حلول، بينما النوع الثاني هو التعاطف غير المنضبط، الذي قد يصل إلى تبرير الفعل أو تقديمه كأنه مخرج أو راحة، وهو ما يمثل أحد أخطر أشكال التأثير على وعي المراهقين.
وتستند هذه الظاهرة، بحسب تفسيرها، إلى ما تطرحه نظريات علم النفس الحديثة حول السلوك الانتحاري، والتي تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: الشعور بعدم الانتماء، والإحساس بأن الفرد عبء على من حوله، إلى جانب ما يُعرف بـ«القدرة المكتسبة على الانتحار»، وهي حالة تنشأ نتيجة التكرار والتعرض المستمر لمشاهد الألم والعنف، ما يؤدي إلى انخفاض الخوف من الفعل نفسه.
وفي هذا السياق، تشدد على أن الأطفال والمراهقين لا يبحثون في الأساس عن الموت، بل عن إنهاء حالة الألم التي يعيشونها، خاصة في ظل غياب شخص آمن يلجأون إليه أو مساحة تسمح لهم بالتعبير عن معاناتهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لتبني أفكار خطرة.
وتلفت إلى أهمية دور الأسرة في هذه المرحلة، من خلال فتح حوار هادئ مع الأبناء، والاستماع إليهم دون تقليل أو سخرية من مشاعرهم، مع ضرورة ترسيخ فكرة أن الانتحار ليس حلًا لأي مشكلة، بل نهاية للحياة دون معالجة للأزمة الأصلية.
كما تؤكد أن تقليل التعرض للمحتوى العنيف على السوشيال ميديا أصبح ضرورة، نظرًا لما يسببه من تكثيف للأثر النفسي، إلى جانب أهمية تقديم نماذج بديلة تعكس طرقًا صحية للتعامل مع الأزمات بدلًا من تمجيد السلوكيات الخطرة.
واختتمت بالتشديد على أن بناء مهارات إدارة المشاعر لدى الأطفال والمراهقين، وخلق بيئة أسرية داعمة وآمنة، يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، ويحدان من تحول التعاطف الإنساني الطبيعي إلى خطر نفسي وسلوكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك