عمان – مع كل لحظة تمر، يتقدم الذكاء الاصطناعي أميالا في تطوره، وهو ما ينعكس بدوره على مختلف تفاصيل الحياة.
هذا التطور، على الرغم من إيجابيته، يرافقه مستوى أعلى من التوتر، يلقي بظلاله على جيل زد.
اضافة اعلانوبالرغم من أن جيل زد يُعدّ الأكثر انخراطا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يستخدم 50 % منهم هذه التقنيات بشكل يومي أو أسبوعي، بحسب تقرير جامعة ستانفورد، فإنهم يعيشون حالة من القلق المتزايد حيال تأثيرها على فرص العمل.
وأظهر تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، الصادر عن جامعة ستانفورد، أن التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي لا يتمثل في تقليص مباشر للوظائف بقدر ما يتمثل في إعادة توزيع القيمة داخل السوق.
ويرصد التقرير انخفاض توظيف المطورين الشباب (بين 22 و25 عاما) بنسبة 20 % منذ عام 2024، رغم استمرار النمو العام في القطاع.
وتُفسَّر هذه النتيجة على أنها دليل على أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل العمل بالكامل، بل يستبدل الطبقة الأولى من الوظائف.
والواقع أن التحدي أمام جيل زد لم يعد يقتصر على اكتساب المهارات، بل بات يتمثل في القدرة على تحويل هذه المهارات إلى فرص حقيقية للاندماج في سوق العمل.
وهنا يبقى السؤال: هل يعكس هذا القلق مخاوف حقيقية من فقدان الفرص، أم أنه نتيجة مرحلة انتقالية تتطلب إعادة تعريف المهارات والأدوار في سوق العمل؟إعادة تشكيل لطبيعة الوظائفومن جهته، يبيّن المستشار الإعلامي والمدرب المتخصص في التسويق والعلاقات العامة بشير مريش أن ما يحدث اليوم هو إعادة تشكيل لطبيعة الوظائف ومسارات الدخول إلى السوق ومعايير الكفاءة المهنية.
ويوضح مريش أنه في المرحلة الحالية يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي أدى إلى انكماش واضح في الوظائف التأسيسية، التي كانت تشكل البوابة الرئيسة لدخول الشباب إلى سوق العمل.
ويشير إلى أن هذه الوظائف كانت تعتمد على مهام قابلة للتكرار، مثل إعداد التقارير الأولية، وإدخال البيانات، والبحث الأساسي، وخدمة العملاء، وهي مجالات أظهر الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية في أتمتتها.
ويذكر مريش أننا نشهد ارتفاعا ملحوظا في متطلبات التوظيف حتى للمناصب المبتدئة؛ فلم يعد كافيا أن يمتلك المتقدم معرفة أو شهادة جامعية، بل أصبح مطلوبا منه أن يكون قادرا على الإنتاج منذ اليوم الأول.
ويشمل ذلك إتقان أدوات رقمية متقدمة، وفهم أساسيات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات مبنية على معطيات، إلى جانب امتلاك خبرة عملية، حتى لو كانت عبر مشاريع شخصية أو عمل حر.
ووفقا لذلك، ينوه مريش أن هذا التحول خلق ما يمكن وصفه بـ" ضغط البداية المبكرة"، حيث يُطلب من جيل زد القفز مباشرة إلى مستوى كان يتطلب سابقا سنوات من الخبرة.
لكن من جهة أخرى، لم يُلغِ الذكاء الاصطناعي الفرص بقدر ما أعاد توزيعها وغير شكلها بحسب مريش؛ فقد ظهرت مسارات مهنية جديدة لم تكن موجودة سابقا، وازداد الطلب على أدوار تجمع بين التخصصات، مثل العمل عند تقاطع التكنولوجيا مع مجالات أخرى، بالإضافة إلى إدارة الأنظمة الذكية وتحسين أدائها، وتطوير المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات الإستراتيجية.
مهارات مدعومة بالأدوات الذكيةكما أتاح الذكاء الاصطناعي لجيل زد فرصة غير مسبوقة للدخول إلى سوق العمل بطرق بديلة خارج المسار التقليدي، بحسب مريش، مثل العمل الحر، وبناء المشاريع الرقمية، أو تقديم خدمات تعتمد على مهارات مدعومة بالأدوات الذكية.
ويقول مريش: " التحدي الحقيقي هنا لا يكمن فقط في نقص الفرص، بل في عدم التوازن بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق الجديدة".
ويوضح أن كثيرا من الشباب يمتلكون مهارات رقمية، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على توظيفها بشكل عملي ضمن سياق اقتصادي واضح، ولذلك أصبح النجاح لا يعتمد فقط على" ماذا تعرف"، بل على" كيف تستخدم ما تعرفه لخلق قيمة".
ويمكن القول إن الذكاء الاصطناعي ضيّق بوابة الدخول التقليدية إلى سوق العمل، لكنه في الوقت نفسه وسّع مسارات بديلة وأكثر مرونة، ورفع من أهمية المهارات التطبيقية والهجينة على حساب المعرفة النظرية فقط.
ويقول مريش: " جيل زد لا يواجه نقصا في الفرص بقدر ما يواجه تحولا في قواعد اللعبة، ومن يستطيع فهم هذه القواعد الجديدة، أي الجمع بين المهارات التقنية، والقدرة على التعلم السريع، والتفكير التحليلي، سيكون في موقع متقدم، حتى في سوق عمل أكثر تنافسية وتعقيدا".
اختفاء وظائف وظهور وظائف جديدةويفسّر مريش أن قلق جيل زد مبرر جزئيا من الناحية التقنية، لكنه ليس دقيقا بالكامل في استنتاجاته.
فمن الناحية التقنية، هناك أسباب حقيقية لهذا القلق؛ أولا، الذكاء الاصطناعي أثبت قدرته على استبدال أو تقليص عدد من الوظائف، خاصة تلك التي تعتمد على المهام الروتينية أو القابلة للتكرار.
ومن جانب آخر، هناك تسارع غير مسبوق في التطور التقني بحسب مريش، وعلى عكس الثورات الصناعية السابقة التي احتاجت إلى عقود، فإن الذكاء الاصطناعي يتطور خلال سنوات قليلة، مما يجعل الشعور بعدم الاستقرار المهني منطقيا، خاصة لدى جيل يدخل السوق الآن.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط الوظائف اليدوية أو البسيطة، بل بدأ يؤثر أيضا على وظائف" معرفية" كانت تُعتبر آمنة، مثل التصميم، والتسويق، وحتى بعض مجالات البرمجة، وهذا يوسع دائرة القلق.
لكن في المقابل، يصبح القلق مبالغا فيه عندما يُترجم إلى فكرة أن الفرص ستختفي، لأن التاريخ الاقتصادي والتقني يشير إلى عكس ذلك، بحسب مريش.
ويقول: " كل تحول تكنولوجي كبير، من الثورة الصناعية إلى ظهور الإنترنت، أدى إلى اختفاء وظائف وظهور وظائف جديدة أكثر عددا وتعقيدا.
الذكاء الاصطناعي يتبع نفس النمط، لكنه يفعل ذلك بشكل أسرع".
ووفقا لذلك، يؤكد مريش أننا اليوم نرى بوضوح نشوء فرص جديدة، مثل وظائف مرتبطة بإدارة وتوجيه أنظمة الذكاء الاصطناعي، وأدوار تعتمد على تحليل البيانات واتخاذ القرار، ووظائف هجينة تجمع بين المجال التقليدي والتكنولوجيا، مثل التسويق الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى فرص العمل الحر وبناء مشاريع رقمية باستخدام أدوات ذكية.
والأهم بحسب مريش أن الذكاء الاصطناعي، في معظم الحالات، لا" يستبدل الإنسان بالكامل"، بل يعيد تعريف دوره؛ بمعنى أن المهام الروتينية تختفي، بينما تزداد أهمية التفكير والإبداع واتخاذ القرار.
ولذلك فإن التوصيف الأدق ليس أن الذكاء الاصطناعي" يأخذ الوظائف"، بل إنه يعيد توزيع القيمة داخل الوظيفة نفسها.
مستخدمون أذكياء للتكنولوجيا" جيل زد لا يحتاج أن يتحول كله إلى مبرمجين، بل إلى مستخدمين أذكياء للتكنولوجيا"، يقول مريش، أي قادرين على تحويل الأدوات إلى قيمة اقتصادية.
والمهارات المطلوبة اليوم هي تلك التي تمكّنك من العمل مع الذكاء الاصطناعي، وليس فقط فهمه.
ويذكر أنه يمكن تقسيم هذه المهارات إلى أربع طبقات:أولا: مهارات التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، هذه أصبحت" لغة العمل الجديدة"، وليست ميزة إضافية.
ومنها: إتقان كتابة الأوامر، ومعرفة كيفية طلب ما تريد من الأداة بدقة، وتحسين النتائج تدريجيا، بالإضافة إلى استخدام أدوات متعددة بذكاء مثل أدوات النصوص، التصميم، وتحليل البيانات، ودمجها معا لإنتاج مخرجات متكاملة، مع فهم حدود الذكاء الاصطناعي.
ثانيا: مهارات البيانات والتحليل، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات، ومن يفهم البيانات يملك ميزة تنافسية قوية.
وتشمل هذه المهارات: قراءة وتحليل البيانات، استخدام أدوات مثل Excel وGoogle Sheets بشكل متقدم، فهم أساسيات التصور البياني، والقدرة على تحويل الأرقام إلى قرارات.
ثالثا: مهارات الأتمتة والإنتاجية، هذه المهارات تضاعف إنتاجيتك، وهي ما يميز شخصا عن آخر في نفس الوظيفة.
وتوضح الاختصاصية النفسية ملك الساريسي أن المستويات المرتفعة من القلق المرتبط بالمستقبل المهني لدى جيل زد تتأثر بتداخل عوامل اقتصادية ونفسية وتكنولوجية.
وتضيف أن البيانات الحديثة تشير إلى أن تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل على هذا الجيل أكبر من تأثيره على الخبراء في سوق العمل.
القلق المبني على أسباب نفسية واجتماعيةففي حين ينظر الخبراء إلى الذكاء الاصطناعي كأداة تساعدهم في تطوير مهاراتهم وتسويقها بشكل أكثر كفاءة وفعالية، يواجه جيل زد تكلفة التكيف معها، ما يجعل القلق لديهم انعكاسا مباشرا لموقعهم داخل سوق العمل.
وتشير الساريسي إلى أن هذا القلق يعود بدرجة كبيرة إلى خصائص نفسية واجتماعية تميز هذا الجيل، أكثر من كونه مرتبطا فقط بالتحولات الاقتصادية، إذ نشأ جيل زد في بيئة تتسم بتسارع التغيرات، والاعتماد الكبير، بل والمفرط أحيانا على التكنولوجيا، والتعرض المستمر للمعلومات والمقارنات الاجتماعية عبر وسائل التواصل.
ذلك غيّر معايير النجاح والسعادة لدى الأفراد، بحسب الساريسي، ما عزز لديهم حساسية عالية تجاه عدم اليقين المهني؛ فهم بحاجة إلى تحديد مسارات واضحة للنمو الوظيفي، حيث يتوقع أفراد هذا الجيل أن يبدأ الموظف باكتساب المهارات تدريجيا في مكان العمل.
بينما يصطدم ذلك بفرضية أن الذكاء الاصطناعي قد يحل محله في الوظائف البسيطة التي يشغلها المبتدئون، مما يحرمه من فرصة تراكم الخبرات، ويتطلب منه مزيدا من الجهود لصقل مهاراته والعمل عليها كنقطة بداية لأي وظيفة جديدة يطمح إلى شغلها.
وتذكر الساريسي أن هذا الجيل يتميز بميوله إلى تجنب المخاطر نتيجة خبرته المبكرة بالأزمات العالمية، مثل الركود الاقتصادي وجائحة كوفيد-19، وهو ما جعل الاستقرار الوظيفي أولوية أساسية لديه.
إلى جانب ذلك، يضع جيل زد قيمة كبيرة للتوازن بين العمل والحياة، والبحث عن عمل يحمل معنى ويتوافق مع القيم الشخصية، مثل التنوع والشمول، مما يجعل اتخاذ القرار المهني أكثر تعقيدا ويزيد من القلق عند غياب المسارات الواضحة.
كما تشير الدراسات إلى اعتمادهم على التغذية الراجعة المستمرة والشعور بالانتماء داخل بيئة العمل، الأمر الذي يجعل الغموض في فرص التوظيف أو صعوبة دخول سوق العمل عاملا ضاغطا نفسيا إضافيا.
وبرغم مهارتهم العالية في استخدام التكنولوجيا، تظهر لديهم مستويات أقل من الثقة بالمهارات الاجتماعية والمهنية العملية، ما يعزز الشعور بعدم الجاهزية، بحسب الساريسي.
وضمن هذا السياق النفسي والاجتماعي، توضح الساريسي أنه يتشكل القلق من الذكاء الاصطناعي ليس فقط كخوف من فقدان الوظائف، بل كامتداد لشعور أوسع بعدم الاستقرار وصعوبة رسم مسار مهني واضح في عالم سريع التغير.
وتذكر الساريسي أنه يمكن أن يؤدي القلق المهني المستمر إلى مجموعة من الآثار النفسية التي قد تؤثر على الصحة العقلية لجيل زد، حيث تشير بيانات الجمعية الأميركية لعلم النفس إلى أن جيل زد يسجل مستويات ضغط أعلى من بقية الأجيال، وأن المال والعمل من أبرز مصادر التوتر لديهم.
كما أفاد 45 % فقط من أفراد هذا الجيل بأن صحتهم النفسية ممتازة أو جيدة جدا، وهو مؤشر على ارتفاع معدلات الضغوط النفسية.
ومن الناحية النفسية، بينت أن هذا التوتر قد يؤدي إلى زيادة القلق المزمن المرتبط بالمستقبل المهني وعدم الاستقرار الوظيفي.
أيضا: انخفاض الشعور بالكفاءة الذاتية نتيجة صعوبة دخول سوق العمل، والإرهاق النفسي المبكر حتى قبل الانخراط الفعلي في سوق العمل، والميل إلى تجنب المخاطرة المهنية والتمسك بخيارات آمنة، ما قد يحد من التطور المهني.
القلق المزمن وتراجع الدافعيةوتنوه الساريسي إلى أن التردد في طلب الدعم يمثل عامل خطر إضافيا، حيث أفادت أن أكثر من نصف أفراد جيل زد يخشون طلب المساعدة، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط النفسية مع مرور الوقت.
وتفسر الساريسي أن القلق المتزايد لدى جيل زد تجاه مستقبلهم المهني لا يعكس ضعفا فرديا، بل يرتبط بتحولات بنيوية في سوق العمل نتيجة الذكاء الاصطناعي، وظهور سوق عالية العتبة يرفع شروط الدخول ويقلص الوظائف التأسيسية.
ووفقا لذلك، فإن هذا الواقع يولد ضغوطا نفسية، بحسب الساريسي، تتراوح بين القلق المزمن وتراجع الدافعية، إلا أن تبني إستراتيجيات التكيف مثل التعلم المستمر، وبناء المهارات المركبة، وتعزيز الانتماء المهني، يمكن أن يحول هذا القلق إلى قوة دافعة للنمو والتكيف مع الاقتصاد الجديد.
ورغم التحديات، تبين الساريسي أنه يمكن لجيل زد التعامل مع القلق المهني بطرق صحية تحافظ على الدافعية والثقة بالقدرات.
ومن أبرز الإستراتيجيات: إعادة تفسير القلق بوصفه إشارة للتكيف وليس تهديدا، أي فهم القلق كاستجابة طبيعية للتغيرات السريعة، ما يساعد على تحويله إلى دافع للتعلم بدلا من مصدر للإحباط.
إلى جانب ذلك، تبني عقلية التعلم المستمر، نظرا لتحول سوق العمل نحو المهارات المتقدمة، فإن الاستثمار في تطوير المهارات الرقمية والاجتماعية ومهارات التفكير النقدي يقلل من الشعور بنقص الكفاءة.
بالإضافة إلى بناء مهارات مركبة، أي الجمع بين المهارات التقنية والإنسانية، مما يعزز فرص التكيف مع سوق العمل المتغير، ووضع مسارات نمو واضحة قصيرة المدى بدلا من القلق بشأن المستقبل البعيد.
والأهم، تعزيز الشعور بالانتماء المهني، إذ إن جيل زد يحتاج إلى شعور قوي بالانتماء، مع الحفاظ على التوازن بين العمل والحياة، وهو عامل وقائي مهم ضد الإرهاق النفسي ويساعد على الحفاظ على الدافعية.
وتختم الساريسي حديثها مؤكدة على أهمية طلب الدعم النفسي والمهني عند الحاجة، سواء عبر الإرشاد المهني أو الدعم النفسي، بالإضافة إلى التركيز على ما يمكن التحكم به، مثل تطوير المهارات وبناء الخبرة، بدلا من التركيز على العوامل الاقتصادية العامة الخارجة عن السيطرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك