أصبح تجار الخرافات الطبية، أو بالأصح اللاطبية، من الذين يبيعون لك الوهم، بالآلاف، ومنهم أطباء مثقوبو الضمير، ومنهم من له سطوة إعلامية، ومنهم من يغلف كلامه بمصطلحات دينية تخدر العقول، المشكلة أن هناك حمَلة دكتوراه، وأساتذة جامعات، ومشاهير، ورجال أعمال، ورجال سياسة، يقعون في فخاخ هؤلاء، برغم كل الهلاوس والضلالات التي يقدمونها، والخطر ليس في مجرد أنها هلاوس، لكنها هلاوس تقتل المرضى، فهناك مرضى سكر أوقفوا الإنسولين، وهناك من أوقف مثبطات المناعة وهو زارع كلية، وهناك من امتنع عن الكورتيزون في مرض مناعي، ومات في اليوم التالي.
فكيف نحمي أنفسنا ثقافياً قبل قانونياً وأمنياً من هؤلاء؟ ، فالقانون وحده، وملاحقة الشرطة وحدها، والبلاغات لن تكفي، لأن الثغرات كثيرة، والهروب من خلال علاجات الأون لاين، والشبكة العنكبوتية، صار متوافراً، ومستعصياًعلى الحصار والرقابة، تاجر الوهم الطبي يقول لك هذا علاج لكل الأمراض، إذن هذا الشخص قولاً واحداً، دجال ونصاب، فلا يوجد علاج يعالج كل الأمراض، لأن الأسباب ليست واحدة، وأيضاً إذا قال لك اخترعت دواء للكبد أو القلب.
إلخ، فهذا عبث طبي، لا يوجد ما يسمى بعلاج عضو «كله على بعضه»، هناك دواء يشتغل على إنزيم، على هرمون، على جزء من الفيروس، على جين، على آلية معينة، وليس على عضو، وعندما يصرخ المخترع الوهمي، أو صاحب النظرية والافتكاسة، قائلاً: «هناك مؤامرة، والماسونية تريد سرقة اختراعي، والسى آي إيه يريد اختطافي.
إلخ»، ثق أنك أمام مدلس وأفّاق، فتاجر الوهم يعشق نظرية المؤامرة، هذا التاجر يقول لك «أنا اخترعت، واختراعي هو سر يجب أن أخفيه عن العالم، وهو محفوظ في الدرج»، لا يوجد اكتشاف أو علاج أو نظرية، تخفى في الأدراج، فالاختراع مثل الزواج لا بد له من إشهار وعلانية، والإشهار في العلم والطب هو المجلة الطبية العلمية المحكمة، وليست النيوزويك أو مجلة «الموعد»، والمؤتمر الطبي الدولي الذي ترعاه وتشرف عليه الجمعيات العلمية الكبيرة، سواء الأوروبية أو الأمريكية، الذي لا بد أن يعرض فيه المكتشف دواءه أو نظريته أو طريقة علاجه، غير كده فهو بالبلدي «هجص» و«فنكوش».
الطب لم يعد وحياً، ولا يهبط كالمن والسلوى، وليس «افتكاسة»، وإنما هو نتاج جهد ومعمل وخبراء، تجارب مجهدة على جزيء دواء، تمر بمراحل صارمة، في المعمل، ثم في الحيوان، ثم دراسات مقارنة بين مجموعتين في البشر، ثم يعرض على هيئة الغذاء والدواء، ثم بعد طرحه يراقَب ويتابَع، وإذا ثبت أن له أعراضاً جانبية أخطر من فوائده، يتم سحبه من الأسواق، وقد حدث كثيراً، مثل هذا الإجراء، لكن أن يقول شخص: «استيقظت من النوم، وجاء لي الهاتف أو الخاطر بالاختراع»، هذا الشخص مكانه هو أقرب مصحة نفسية! ، التجارب الطبية لها بروتوكولات محكمة وقاسية، ومن قبيل التخاريف أن يقول لك طبيب «لقد أجريت تجاربي في العيادة»! ، فالتجربة الطبية مكانها مراكز متخصصة، بحثية، جامعية، لها أكواد ومعايير، تتم في أكثر من مركز، وغالباً أكثر من دولة، وتُجمع النتائج وتقارَن، وعندما ينتهي البحث، يتم التحكيم بواسطة محكِّمين علماء لا يعرفون بعضهم في معظم الأحيان، ولا يرتبطون بالباحث شخصياً، هذا هو العلم، وذلك هو الطب، ومن يريد غير ذلك فليرتمِ في حضن شمهورش، وليتحمل هو مسؤولية سذاجته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك