لم يكن اختيار النظام الإيراني العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة وتأدية دور الوسيط في المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية عابراً أو مرحلياً لدى طهران وقياداتها السياسية والعسكرية، ولا يمكن اعتباره أيضاً تخلياً إيرانياً عن دور سلطنة عُمان وقياداتها، بما تمثل من صداقة وتعاون تاريخيين ظهرت صلابتهما في كثير من الأزمات والملفات الشائكة والمعقدة، ليس آخرها جولات التفاوض التي جرت بين واشنطن وطهران قبل الحرب الأخيرة وقبل حرب يونيو (حزيران) 2025.
خيار إيران الباكستاني، بغض النظر عن كل الاعتبارات، كدولة نووية وجوار جغرافي وبُعد جيوسياسي واجتماعي وديني، وأيضاً شريكة في الاستهداف الإسرائيلي كمصدر تهديد مستقبلي، مثلما صرح كثير من القادة الإسرائيليين بوضوح عنه، هو خيار يأخذ بعداً إستراتيجياً على ارتباط بمستقبل منطقة الشرق الأوسط والعلاقة مع الجوار العربي الخليجي، من دون إسقاط أهميته ضمن الطموحات الإيرانية المرتبطة بالمجال الجغرافي الذي تمثله باكستان في منطقة غرب آسيا، وصولاً إلى العمق الصيني وما يعنيه من متغيرات مستقبلية على المعادلات الدولية، بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
الجوار الخليجي الذي حكم ويحكم خلفية الخيار الإيراني في تظهير باكستان ومنحها دوراً محورياً في جهود الخروج من تداعيات الحرب مع أميركا، قد يكون من الصعب تعميم أبعاده وآثاره الإيجابية على كل الدول الخليجية، أعضاء مجلس التعاون، لأن الهدف الإيراني يبدو قائماً على قراءة إستراتيجية وجيوسياسية واضحة لمستقبل العلاقة التي ستشهدها عملية ترميم ما تضرر من هذه العلاقات، جراء الحرب والاستهدافات والاعتداءات الإيرانية على هذه الدول، وعلى مسار سياسي مختلف، هذه المرة، من المفترض أن ينعكس على كثير من ملفات المنطقة، والتي تشكل مساحة تداخل في المصالح والنفوذ والدور.
من البوابة الباكستانية أرادت طهران أن توصل رسائلها إلى الدول الخليجية، وهذه المرة ضمن حسابات دقيقة ومعادلات جديدة يراد لها ومنها أن تعيد رسم الأوزان العربية الخليجية في المعادلات الإقليمية وملفاتها، انطلاقاً وبناء على جملة معطيات وأسس سابقة وحالية ولاحقة، تصب كلها في مصلحة بناء مرحلة جديدة من الثقة والتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، بعيداً من التأثيرات الإسرائيلية والتداعيات السلبية التي نتجت من" اتفاقات السلام الإبراهيمي" التي ذهبت إليها بعض هذه الدول، وهذا التوجه وهذه القراءة الإيرانية لتداعيات ما بعد الحرب الأميركية يأخذان بثابت وحيد في تعاملها مع دول الجوار الخليجي، وهو الثابت السعودي الهادئ والعقلاني والإستراتيجي، وما تمثله الرياض من وزن وموقع ودور وتأثير في كل معادلات المنطقة، وهي الدولة الوحيدة القادرة على إعادة التوازن وقيادة عملية ترميم الثقة التي تزعزعت بين ضفتي الخليج، وصولاً إلى المجال العربي الأوسع والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون، وتشريك وتشبيك المصالح من أجل تعزيز الاستقرار والسلام.
ولعل المؤشر الأبرز على جدية التوجه الإيراني للتعاون المستقبلي مع الرياض ظهر من خلال الجهود التي بذلها كلا الطرفين لمنع انهيار الاتفاق الهش الذي جرى التوصل إليه مع الحوثيين، وأوقف حال الحرب التي كانت قائمة، وأيضاً سمح للجانب الإيراني بألا يقحم اليمن في الحرب التي اندلعت في المنطقة، باستثناء مشاركة رمزية، فقد أثمرت الجهود السعودية المباشرة أو من خلال الدور الباكستاني الذي يرتبط معها بتحالف إستراتيجي عميق، تسريع التوصل إلى آليات تساعد في التفاهم لوقف إطلاق النار والذهاب إلى طاولة التفاوض.
الجانب الإيراني بدوره التقط الإشارات الواضحة على أهمية الدور السعودي في نزع الألغام والإسهام الإيجابي والفاعل في عملية التفاوض، عندما اصطدم بالتملص الأميركي والتعنت الإسرائيلي في تنفيذ اتفاق وقف النار وشموله الجبهة اللبنانية، بخاصة عندما حاول تجاوز كل الأطراف المؤثرة على هذه الساحة، وتحديداً السعودية، وحاول قطف الإنجاز من دون الأخذ بالاعتبار مصالح الرياض التي استطاعت إعادة جدولة الطموحات الإيرانية، وأخرجتها من سردية التفرد في رسم المعادلات الإقليمية عبر التفاوض مع الإدارة الأميركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك