عمان- «القدس العربي»: صدر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان ديوان جديد للشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد بعنوان «ورود يوم القيامة»، عبر عمل يختلف في روحه وبنيته عما اعتادته قصيدة المواجهة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ فهو لا يصرخ ولا يخطب، بل يجلس وسط الركام ويعدّد ما تبقّى.
العنوان والإهداء: رهان على التناقضيفتتح الديوان بإهداء مقتضب لكنه دال: «إلى غزة وأهل غزة والصبح إذا تنفّس»، وهو استحضار قرآني يضع القصيدة، منذ سطرها الأول، في منطقة اللحظة الفاصلة؛ تلك اللحظة التي يتوقف فيها الليل من دون أن يُحسم أمره بعد.
ثم يأتي مطلع الديوان ليؤطّر كل ما يليه: «في السابع من أكتوبر وقف التاريخ على حافة النفق، ينصت لصوت خشن: هنا تبدأ القصيدة ولا تنتهي».
وهي جملة واحدة، لكنها تحمل اعترافاً بأن ما يجري يفوق قدرة الختام.
أما العنوان نفسه، فهو رهان شعري على التناقض في أعلى صوره: الورود في يوم القيامة.
فليس يوم القيامة هنا مجرد استعارة للمأساة، بل هو، عند جلعاد، اليوم الذي يُسمّى فيه كل شيء بحقيقته، ويقف فيه الإنسان أمام ما فعل وما لم يفعل.
والورود، في هذا السياق، ليست زينة، بل عناد الحياة الأصيل في مواجهة ما يراد لها أن تنطفئ تحته.
ما يميّز «ورود يوم القيامة» عن كثير مما كُتب في الموضوع ذاته، هو وفاؤه المطلق للتفصيلة الصغيرة بوصفها بوابة إلى المعنى الكبير.
جلعاد لا يصف المجزرة من الأعلى، بل يدخل إليها من النافذة المكسورة: الطائرات الخفية التي تفرغ خزائن الثياب وتُسقط الأحذية تحت ركام المنازل، الأكياس السوداء التي تحمل «ما تبقّى من صلاة الأم وأشلاء أطفالها»، خريطة حيفا المرسومة بأصابع الأخ الصغير، مسبحة الجدة، وشال الأم على سرير الزواج القديم.
هذه التفاصيل ليست زينة شعرية ولا ديكوراً لغوياً، بل هي لبّ الديوان نفسه.
فحين يكتب جلعاد: «واحد.
اثنان.
ثلاثة / خسرنا النوافذ والأبواب وأحواض النعناع»، فهو يدرك أن النعناع في بيت غزّي ليس نباتاً فحسب، بل ذاكرة صباح، وعادة أم، ورائحة تمس الهوية تماماً كما تمسها خريطة حيفا.
وحين يكتب عن أب يُعرف من وقع أقدامه، ودائماً يعود متأخراً بعد المغيب، فإنه يحوّل الخسارة الجماعية إلى نبضة قلب فردية لا يستطيع القارئ إلا أن يحسّ بها في صدره.
الصلاة والانكسار: حين يعتذر الشاعر لربهفي قلب الديوان يظهر صوت موازٍ، هو صوت الإنسان المنهار روحياً أمام ما يرى.
يكتب جلعاد، في واحد من أشد مقاطع الكتاب إيلاماً: «أعتذر إليك يا ربي / لم أعد قادراً على الصلاة / الكلمات لا تخرج من فمي / وقلبي لا ينبض».
ثم يعود، في موضع آخر، إلى صورة الكاهن الذي «في آخر الليل يُصلّي الليل مثل كاهن فقد إيمانه ويبكي».
هذا الانكسار لا يُقرأ، عند جلعاد، بوصفه ضعفاً، بل بوصفه أقصى درجات الإحساس بعدالة ما يحدث، وعدالة الغضب منه.
ويمتد هذا الصوت ليشمل الحب والفقد معاً، إذ تطل في الديوان قصائد أقرب إلى رسائل تكتبها قلوب لمن غابوا، في بيوت لم تعد قائمة، عبر مواقع إلكترونية تحفظ الصور، من غير أن تعرف أن أصحابها قد رحلوا.
ومن أشد هذه الرسائل تكثيفاً مقطع يختزل مسافة الغياب في جملتين: «قلبي لم يعد معي / قلبي طار معك».
العالم المتفرج وسخرية الحضارةلا يكتفي الديوان بالداخل الغزّي، بل يفتح نافذة حادة على العالم الخارجي في لحظة مواجهته الأخلاقية.
يكتب جلعاد بسخرية مرّة عن اللحظة التي: «بيننا وبين الساعة الرابعة ثأر الشاي الإنكليزي / فيلق البغّالة / الحربان الأولى والثانية / وملوك ينامون على بطونهم فوق عروش الدمى».
ويضع هذا المقطع المشهد المعاصر في سياقه الاستعماري الطويل، من غير أن يلجأ إلى خطاب إدانة مباشر.
وفي موضع آخر، حين يقارب الشاعر مشهد القاتل والمقتول في الآخرة، يكتب: «لأول مرة رأى الله العالم مختلفاً من هذا الجانب / واضح وبطيء / والناس يسيرون في شارع واحد / القاتل والمقتول»، قبل أن تظهر الملائكة ويبقى القتيل وحده سائراً إلى آخر الطريق.
وهذا المشهد القيامي ليس عزاءً دينياً سهل المذاق، بل محاكمة أدبية للحياة الدنيا بكاملها.
يختتم الديوان صفحته الأخيرة على مشهد مكثف تتشابك فيه الأسطورة والتاريخ والحاضر: رجل نام فوق ظله ورأى جنازة تسير بلا نعش، فقال للريح: «احملي ما تبقّى مني»، فيما يتهامس الأعداء بدهشة: كيف انتصر رجل بعصا؟ ثم تجيء الخاتمة الهادئة والرهيبة في آن: «من هنا مرّ نبيّ العصا / من هنا مرّ يحيى».
إن استحضار يحيى بن زكريا، النبي المذبوح، في نهاية ديوان مهدى إلى غزة، ليس مجرد إيحاء ديني، بل تأسيس للرؤية الكاملة التي يقترحها الكتاب: الشهادة ليست هزيمة، والعصا تنتصر على الجيوش، والقصيدة، كما أعلن في أولى صفحاتها، تبدأ ولا تنتهي.
هكذا لا يبدو «ورود يوم القيامة» ديوان رثاء، ولا ديوان حماسة، بقدر ما يبدو شيئاً أصعب وأندر: شهادة شعرية على ما يعنيه أن تكون إنساناً في زمن تتراجع فيه الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك