في تحوّل لافت في لهجة برلين تجاه طهران، لوّحت الحكومة الألمانية بإمكانية تخفيف تدريجي للعقوبات على إيران إذا وافقت على فتح مضيق هرمز بصورة دائمة ومن دون قيود أو رسوم، لكنها في المقابل هددت ببحث عقوبات إضافية إذا استمرت عرقلة الملاحة في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.
وبحسب صحيفة “دي تسايت” الألمانية، دخلت برلين على خط أزمة مضيق هرمز بلغة تجمع بين الإغراء والتهديد.
فبعد أسابيع من الاضطراب في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية لتجارة النفط والغاز، عرضت حكومة المستشار فريدريش ميرتس على إيران إمكانية تخفيف تدريجي لبعض الإجراءات التقييدية، شريطة التوصل إلى اتفاق شامل يضمن فتح المضيق بصورة دائمة وموثوقة ومن دون قيود أو رسوم.
وفي المقابل، أبقت الحكومة الألمانية خيار العقوبات الإضافية مطروحاً إذا واصلت طهران عرقلة حرية الملاحة.
ونقلت صحيفة “دي تسايت” الألمانية عن مكتب الصحافة والإعلام في الحكومة الألمانية أن برلين مستعدة، مع شركائها، لتخفيف “تدريجي” لبعض الإجراءات القائمة إذا تحقق اتفاق شامل، بينما ستكون مستعدة لبحث عقوبات إضافية إذا استمرت إيران في إغلاق المضيق.
لا تتحدث برلين عن انفتاح مجاني أو تغيير شامل في سياسة العقوبات، بل عن مقايضة سياسية واضحة: فتح دائم لمضيق هرمز مقابل بحث تخفيف تدريجي لبعض القيودفي جوهر العرض الألماني، لا تتحدث برلين عن انفتاح مجاني أو تغيير شامل في سياسة العقوبات، بل عن مقايضة سياسية واضحة: فتح دائم لمضيق هرمز مقابل بحث تخفيف تدريجي لبعض القيود.
وتطالب الحكومة الألمانية إيران بوقف ما تسميه “برنامجها النووي العسكري”، والكف عن تهديد إسرائيل ودول الجوار، وفتح المضيق بصورة “دائمة وموثوقة ومن دون قيود أو رسوم”، وفق ما أوردته “دي تسايت” و”تاغسشبيغل” نقلاً عن البيان الحكومي.
وتكتسب عبارة “من دون رسوم” أهمية خاصة، لأنها تأتي بعد تحذيرات أوروبية من أي محاولة لفرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز.
وكانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قد دعت إيران إلى التخلي عن أي خطط لفرض رسوم مرور، مؤكدة أن الممرات المائية مثل هرمز يجب أن تبقى مفتوحة ومجانية بموجب القانون الدولي، وأن أي نظام “دفع مقابل المرور” قد يشكل سابقة خطيرة لطرق التجارة العالمية.
لكن العرض الألماني لا ينفصل عن تهديد واضح.
فبرلين، بحسب ما نقلته “تاغسشبيغل” عن البيان، ترى أن استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز سيجعل الحكومة الألمانية مستعدة لبحث عقوبات إضافية.
وهذا يعني أن الحكومة الألمانية تحاول رسم معادلة مزدوجة: مخرج دبلوماسي مشروط إذا قبلت طهران بحرية الملاحة، وضغط عقابي أوسع إذا استمرت الأزمة.
وجاء هذا الموقف بعد أيام من تقرير لوكالة “رويترز” أفاد بأن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى توسيع معايير عقوباته ضد إيران لتشمل أشخاصاً وكيانات مسؤولة عن عرقلة حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ونقلت “رويترز” عن دبلوماسيين أوروبيين أن هناك اتفاقاً سياسياً بين السفراء الأوروبيين لتعديل نظام العقوبات بحيث يطال من يقفون وراء تعطيل الملاحة في المضيق، على أن يحتاج الجهاز الدبلوماسي الأوروبي إلى أسابيع لإعداد الأسماء أو الكيانات المحتملة.
لا تنظر برلين إلى مضيق هرمز بوصفه ملفاً إقليمياً بعيداً، بل باعتباره نقطة ضغط مباشرة على الاقتصاد الألماني والأوروبي.
فالمضيق يمثل ممراً حيوياً لصادرات النفط والغاز الطبيعي المسال، وأي تعطيل طويل فيه ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبحسب “رويترز”، أدى إغلاق المضيق بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير إلى قطع نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
لا تنظر برلين إلى مضيق هرمز بوصفه ملفاً إقليمياً بعيداً، بل باعتباره نقطة ضغط مباشرة على الاقتصاد الألماني والأوروبيولهذا ربط ميرتس بوضوح بين حرية الملاحة واستقرار الأسواق.
ففي تصريحات رسمية نشرتها الحكومة الألمانية، شدد المستشار على أن فتح هرمز شرط لتراجع الاضطرابات الضخمة في أسواق الطاقة، قائلاً إن هذه الاضطرابات تضغط بشدة على ألمانيا والعالم.
كما قالت الحكومة الألمانية إن إيران يجب أن تعيد فتح المضيق بصورة موثوقة ودائمة ومن دون مدفوعات أمام حركة السفن الحرة.
إلى جانب الضغط الدبلوماسي والاقتصادي، لا تستبعد برلين مساهمة ألمانية في تأمين الملاحة بعد توقف القتال.
فقد قال ميرتس في باريس إن ألمانيا مستعدة للمساهمة في حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز بعد انتهاء الأعمال القتالية، شرط وجود أساس قانوني آمن، مثل قرار من مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى قرار من الحكومة الألمانية وتفويض من البرلمان الألماني.
وذكر أن مساهمة ألمانية محتملة قد تشمل إزالة الألغام والاستطلاع البحري.
وهذه النقطة شديدة الحساسية داخلياً في ألمانيا، لأن أي مشاركة للجيش الألماني خارج البلاد تحتاج عادة إلى غطاء قانوني وسياسي واضح.
لذلك لا يطرح ميرتس تدخلاً منفرداً أو فورياً، بل مشاركة محتملة ضمن عملية دولية، وبعد نهاية القتال، ووفق القانون الدولي والإجراءات الألمانية الداخلية.
دبلوماسية بعد أشهر من القطيعةاللافت أيضاً أن ميرتس تحدث عن استئناف قنوات اتصال ألمانية مع طهران بعد “أشهر كثيرة من الصمت”.
وقال إن ألمانيا تجري محادثات مع جميع الأطراف وتريد المساعدة في الوصول إلى نهاية دائمة للحرب.
هذا التصريح يمنح التحرك الألماني بعداً سياسياً أوسع، إذ تحاول برلين أن تكون جزءاً من ترتيبات ما بعد وقف النار، لا مجرد مراقب أوروبي قلق من أسعار الطاقة.
وكانت الحكومة الألمانية قد رحبت بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أنه يفتح نافذة دبلوماسية أولى.
كما ورد في بيان مشترك لقادة غربيين وأوروبيين أن الهدف يجب أن يكون التفاوض سريعاً على نهاية دائمة للحرب، وأن الحل التفاوضي ضروري لحماية المدنيين في إيران وضمان أمن المنطقة وتجنب أزمة طاقة عالمية خطيرة.
رغم عرض التخفيف المشروط، تبقى خلفية العقوبات على إيران شديدة التعقيد.
فقد أعادت دول الترويكا الأوروبية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، في أيلول/سبتمبر 2025 تفعيل عقوبات أممية ضد إيران عبر آلية “سناب باك”، بسبب ما وصفته بانتهاكات إيرانية لالتزامات الاتفاق النووي.
وذكرت الحكومة الألمانية أن إيران تجاوزت حدوداً تتعلق باليورانيوم المخصب والماء الثقيل وأجهزة الطرد المركزي، وقيّدت قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المراقبة والتحقق.
لكن العرض الجديد لا يوضح بدقة ما هي العقوبات أو “الإجراءات التقييدية” التي يمكن تخفيفها، وهل يتعلق الأمر بعقوبات أوروبية محددة أم بإجراءات أوسع يجري بحثها مع الشركاء.
لذلك تبدو الرسالة الألمانية حتى الآن سياسية أكثر منها تقنية: برلين مستعدة لفتح باب تخفيف الضغط، لكنها تربطه بسلوك إيراني ملموس في هرمز وبمسار أوسع يتعلق بالبرنامج النووي وأمن المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك