اختتمت أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، أمس الخميس (23 أبريل)، أشغال دورتها الحادية والخمسين، التي خُصصت لموضوع: “الذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية: نحو نظرية معرفية مشتركة بين الإنسان والخوارزميات”.
الذكاء البشري.
التعبير الأسمى عن الفكروخلال هذا اللقاء الفكري، توقف الكاتب والمفكر المغربي محمد نور الدين أفاية عند الطابع الجارف للتحولات التكنولوجية، معتبرا أنها أدخلت البشرية في منعطف أنثروبولوجي وفكري غير مسبوق.
وأوضح أن الخوارزميات، رغم ما تحمله من إمكانات إيجابية، يمكن أن تُستثمر أيضا في ممارسات تهدد القيم الإنسانية، مما يستدعي يقظة فكرية ونقدية متواصلة.
وأشار الدكتور نور الدين أفاية، إلى أن بعض التصورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تحمل نزعات تمس مفاهيم المساواة والديمقراطية، وقد تتحول إلى أنماط تفكير مضمَّنة داخل الأنظمة الرقمية، تؤثر في الإدراك الجماعي.
وقد أكد د.
أفاية على على أن الذكاء الإنساني، بما ينتجه من وعي وتأمل، يظل التعبير الأسمى عن الفكر، محذرا من التسليم غير النقدي بالانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي، لما قد يترتب عنه من تحولات عميقة تمس حرية الإنسان واستقلاليته.
وكان من بين أهداف هذه الدورة، استكشاف الآثار العلمية للذكاء الاصطناعي في مجالات الفلسفة والتاريخ والفنون والأدب والثقافة، كما تم تناول كيفية مساهمة هذه التكنولوجيا في تعزيز التفكير النقدي من خلال إرساء حوار مثمر بين القيم الثقافية المحلية والنماذج التكنولوجية العالمية.
وتتوزعت أشغال الدورة على ثلاث جلسات رئيسية، حول الذكاء الاصطناعي من منظور الفلسفة والتاريخ، الذكاء الاصطناعي، النظرية المعرفية والأخلاقيات؛ ثم الذكاء الاصطناعي، القانون والاقتصاد والبيئة وقضايا التنمية.
وفي السياق ذاته، أكدت رحمة بورقية أن التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة غيّرت أدوار الباحث والكاتب، إذ لم يعدا مجرد منتجين للمحتوى، بل أصبحا حارسين أخلاقيين ومعرفيين، مطالبين بتوظيف المساءلة كأداة للمقاومة النقدية والقيمية، في إطار علاقة تكاملية ضرورية بين الإنسان والآلة.
من جهته، اعتبر عالم الاجتماع جيرار برونر أن الرهان الليبرالي على “سوق الأفكار” كفيل بتمييز الجيد من الرديء قد ثبتت محدوديته، ولفت إلى الفارق بين الانتشار والتمثيلية الحقيقية، موضحا أن نسبة ضئيلة من المستخدمين تنتج جزءا كبيرا من المحتوى الرقمي، غالبا بطابع راديكالي.
كما حذر من مخاطر محاكاة التعاطف في أنظمة الذكاء الاصطناعي، مشددا على أن الدور الإنساني يظل أساسيا، لأن الحقيقة لا تدافع عن نفسها في بيئة رقمية معقدة ومتسارعة.
التقنيات الحديثة وإمكانية النقدأما الفيلسوف السويسري مارك هونيادي، فرأى أن الانجذاب القوي للتقنيات الحديثة لا يلغي إمكانية النقد والمقاومة، مشيرا إلى وجود مخاطر إدراكية عميقة ترتبط بما سماه “الميتا-تكنولوجيا”، التي قد تستحوذ على وعي الإنسان وتحد من استقلاليته.
ودعا إلى اعتبار الروح الإنسانية تراثا مشتركا للإنسانية، يستوجب الحماية عبر أطر قانونية وقيمية تضمن صون كرامتها وسيادتها.
وفي السياق ذاته، عرض عالم الإناسة حسن رشيق تجربته في توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، بينما شدد شريف علي، من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، على أن التقييم العددي لم يكن يوما مؤشرا دقيقا على الفهم، ولن يكون كذلك في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يتحول دور الأستاذ إلى مرشد يضمن النزاهة المعرفية، وتغدو الجامعة مطالبة بحماية المعنى وإعادة تبرير دورها.
من جانبه، نبه مبارك ربيع إلى أن المؤسسة المدرسية مهددة بفقدان دورها إذا لم تنخرط في مسار التجديد، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز القدرات الذهنية للإنسان إذا استُخدم باعتباره امتدادا للذكاء الطبيعي لا بديلا عنه.
وفي مداخلة تناولت المجال الصحي، أبرزت ناجية حجاج حسوني الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسات الطبية، مقابل تحديات مرتبطة بحماية المعطيات والسيادة الرقمية، مؤكدة أن تحقيق التوازن بين الابتكار وصون الحقوق يقتضي مقاربة جماعية متعددة التخصصات، قائمة على المسؤولية الأخلاقية والرؤية الإنسانية للتقدم العلمي.
وتخللت هذه الدورة مراسم تنصيب سبعة أكاديميين، حيث حصل هؤلاء على القلادة الرسمية المميزة لأكاديمية المملكة المغربية، كما قدموا محاضرات تنصيبهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك