منذ أن هجر عشرات الشعراء من الشباب بلدهم المغرب إلى دول وفضاءات جديدة، في أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرهما، فضلا عن آخرين من أقرانهم، رأوا النور فيها، وسط جالية مغربية كبيرة، وما ترتب عليه من تأثرهم بالثقافة والمحيط الاجتماعي الجديدين، صار بإمكاننا أن نتحدث عن «مهجرية جديدة» لها سماتها الخاصة وأثرها الكبير في كتاباتهم الشعرية المعاصرة، وعن جيل مختلف يكتب مُتحررا من عقدة الأجنبي، وهو يتخذ اللغة أداة تعبيريةَ للبحث والكشف والمغامرة، وارتياد الحرية وآفاق الكتابة، سواء بلغة الدول التي تُضيفه، أو لغة أمه التي حملها معه، وظلتْ تشده إلى رحم ثقافته الأصلية لسانا وذاكرة ووجدانا.
انطلاقا من التحول الذي مس مسألة الهجرة والوعي بها، وعلاقتها المتوترة بالذات والهوية والكتابة، بالقياس إلى ما كان متداولا قبل عقدين أو ثلاثة عقود، تتميز كتابة الشاعر المغربي إحساين بنزبير (1967) بذلك الانتماء الصعب والمركب إلى عالمين متمايزين وثقافتين بينهما عناصر توتر واختلاف.
في دواوينه الشعرية: «بالصدفة، نثر الفصول» 2009، و»أسمدة تليها حالات» 2010، و»كما لو في فُقاعة» 2014، ثم «الماء لا ينام» 2025، تشعر بأن كل عمل شعري يكتبه يعكس في جوهره قلق كتابة مترحلة، إلا أنه يجعل ما حوله مصدر ثراء مسكون بروح «الوضوح الآخر» كما يقول، وكما لو أن هذه الكتابة تستضيء بعبارة جيل دولوز «الهجرة حق مقدس»، وهو الذي يقيم في ازدواجية اللسان رمزيا منذ أكثر من ثلاثين سنة من الهجرة، من «التأتأة اللسانية».
ينتمي الشاعر إلى الجيل التسعيني، الذي هو أجيال في اختلافها الشعري والجغرافي والسياسي كذلك، بينهم شعراء المهجر الذين يُشَعْرِنون العالم عبر ضيافة الآخر في نصوصهم بشكل غير مباشر.
يقيمون في «العزلة الطيبة» وفي اللغة بشكل إيحابي وعنيف، بما هي لغة شعرية ثالثة لا تهادن وتحاول أن «تعطي لخراب الحقبة شكلا شعريا وبلاغيا».
*كيف جئتَ إلى الشعر وعقدت عليه زمام كينونته؟ هل تذكر واقعة ما، أو أثرا أخذك إليه؟– ثمة أشياء كثيرة تدور حول قدومي إلى الشعر، هي ذكرى متعددة كما الشعر.
ثمة القراءة التي فتحت لي دهاليز زجت بي إلى الشعر رويدا رويدا.
جوع القراءة والكشف إذا صح التعبير.
الأوائل دائما جميلة وعفوية.
أتذكر، وعمري سبع عشرة سنة، اكتشفت «كليلة ودمنة» التي قرأتها كثيرا.
الأوائل نثرٌ.
ثم من «كليلة ودمنة» توالت فضاءات أخرى.
والقراءة كانت أساسية بالنسبة لي.
وكأنها صلاة رمزية.
من كتاب إلى آخر، دخلت قليلا أو كثيرا إلى ما نسميه الشعر: فيروس الإبداع الصحي.
لكن النثر كان حاضرا بشكل قوي في علاقتي بالشعر ومعه.
أتكلم هنا وأشباح الكتب تمر في ذهني وكأنها أثر قريب وبعيد في الآن نفسه.
غريبة هي الأوائل: البيت الشعري لامرئ القيس «قفا نبك.
»، كان دهشة واكتشافا لمطلق شعري ومفردات غريبة، أيضا.
هنا بالذات، أحسست بأن كتابة الشعر ليست سهلة، لحسن الحظ، لأن الشعر الحق صعب وغامض.
لذلك قرأت وقرأت لأفهم شيئا ما، ولأحاول السباحة في غموض الشعر.
مزاجي ميالٌ إلى الغموض المضيء.
أو كما يقول هولدرلين: وضوحٌ آخر.
نعم هذا الوضوح الآخر هو ما يهمني.
كنتُ قارئا نَهِما للمعلقات.
وفي فترة ليست بالبعيدة، أخرجتُ من أرشيف الكتب المعلقات لأغطس في إعادة قراءتها، وكأنني أكتشف نيازك شعرية وبلاغة مقلقة إيجابيا.
والذي يذهلني في الشعر الجاهلي هو كثافة قاموسه وغرابته الشعرية والرمزية.
وأضيف هنا أن الرجة الحقيقية التي أصابت مخي تتشكل في اليوم الذي قرأت فيه النفري المذهل.
«المواقف والمخاطبات» في العشرين من عمري، وكأنني أُصبتُ بشيء ما لا أستطيع وصفه.
أساسي وضروري إلى يومنا هذا بالنسبة لي.
كما لو بوصلة أدبية وفلسفية وفكرية.
في النفري أجد ما ينقصني.
في غابته أتيه وفي جملته أعثر على تمتمة إبداعية نادرة، لأنها «وضوح آخر» كما ذكرتُ.
* صار من الدارج أن جيل التسعينيات الذي تنتمي إليه، حقق طفرة أساسية في سياق تحديث الشعر المغربي.
في نظرك، ما هي أهم المكاسب والآثار التي تنسب لهذا الجيل؟ وما هي مرجعيات الكتابة التي استلهم منها سبل إبداعه الجديد؟ ثم ما الدور الذي اضطلع به شعراء المهجر في سياق التحديث الشعري؟– مسألة الأجيال تعود دائما إلى المساحة كلما تطرقنا إلى الشعر: تحقيبه، تجييله.
الأمر يربكني قليلا ومنذ زمان: ما الجيل الشعري؟ ما الطفرة الشعرية؟ ما التجاوز الشعري؟ وأسئلة عديدة أخرى تنخر رأسي وأنا أحاول الجواب عن سؤالك.
ولأُجيبَ بشكل ديمقراطي، يتعين علي قراءة كل ما كتبه جيل التسعينيات من شعر ونثر أيضا.
الأمر معقد جدا.
ورغم الهجرة، أقرأ كثيرا الشعر المغربي (من مختلف الأجيال).
وكان، بكل غرابة، أنني أنتمي إلى شعراء التسعينيات: جيل التسعينيات.
وبكل مجازفة أقول ثمة أجيال تسعينية.
ربما.
طيب.
إنها أجيال في جيل.
أو إنها أصوات شعرية تسعينية تقيم شعريا في المتن الشعري المغربي.
وثمة أصوات شعرية لها أهميتها ووزنها في القصيدة المغربية المعاصرة المتعددة والمختلفة، أيضا.
شخصيا، لا أومن بالقطائع الشعرية والمعرفية بشكل عام.
وربما أكبر مكسب وأثر حققه هذا الجيل في بادئ الأمر، هو الإنصات إلى أصوات أخرى وقراءتها بشكل نقدي مفتوح ومنفتح.
اسمح لي أن أستحضر الشاعر الفرنسي فيليب بيك حين يقول: «الحفاظ على الماضي مع السير قُدُما».
جملة بسيطة وعميقة.
أتقدم بحذر، لأن الأمر في غاية الأهمية، ولا أريد أن أسقط في ما يسمى بحكم القيمة.
العالم ينهار والأشكال تسقط والفاجعة كموضوع تأخذ طرقا شعرية وطنية مختلفة.
لذلك قلتُ ثمة أجيال في جيل التسعينيات.
أي مغامرات شعرية فردية.
وهذا مهم.
هناك من الشعراء من يسافر في الشعر لوحده.
وهناك صنف آخر يكتب «مع» ليتقدم في ليل الشعر.
والكتابة «مع» تفتح الكثير من الأشياء وتوسع دائرة الشعر مع هذا الجيل التسعيني أو مع هذه الأجيال التسعينية.
الجيل يكون جيلا حين يكون حوارا وامتدادا لما يوجد أو لما وُجد من شعر ونثر وفن وسينما ومسرح…هكذا أرى الأمور.
أما شعراء المهجر، فيكتبون لوحدهم لكنْ مع الجميع.
شعراء المهجر ربما واجهة شعرية تتحمل عزلتها.
أسمي هذه العزلة بالعزلة الطيبة.
لكنها في توتر دائم.
التوتر مهم حين الشاعر يقيم في اللغة بشكل إيجابي وعنيف أيضا.
الشعر العميق عنيف لأنه لا يهادن.
ثم في الشعر الحرب دائما كما يقول الشاعر ماندلشتام.
الأجيال التسعينية تكتب في اختلافها الشعري والجغرافي والسياسي أيضا.
وحين أقول إن الأجيال التسعينية تكتب لوحدها لكن مع الجميع، هذا يعني أنها تقيم في فاجعة لغوية إيجابية تحاول أن تعطي لخراب الحقبة شكلا شعريا وبلاغيا.
ومن دون ذكر بعض الأسماء، ثمة نصوص وكتب شعرية حققت طفرة أو طفرات نوعية.
ربما أننا في حاجة إلى تنظير نقدي وفلسفي لتعميق كلامنا في الأجيال التسعينية.
شخصيا، لا أخاف من التنظير.
التنظير رحمة طيبة كعزلة شعراء المهجر في وضوحهم الآخر.
الجيل الذي لا يخلق لغة شعرية ثالثة ولا ينصت إلى الإرث الشعري، لا يمكن له أن يفاجئنا شعريا.
الجيل يتحقق في لا هُدْنته وفي غنائيته النقدية واليابسة.
نعم، الغنائية اليابسة Le lyrisme sec تصير ذكريات مستقبلية لشعر مقبل من أغوار اللسان الشعري والبلاغي.
شعراء المهجر يُشَعْرِنون العالم عبر ضيافة الآخر في نصوصهم بشكل غير مباشر.
شاعر المهجر يكتب في رماد الحقبة التي تتطلب لغة جديدة مكثفة في وضوح آخر.
وأهم ما يمكن أن تكتبه هذه الأجيال التسعينية، يتجلى في ما لم تكتبه بعد من أشعار وقصائد.
*أصدرت باكورتك الشعرية «بالصدفة، نثر الفصول» عام 2009.
كيف تستعيد تلك اللحظة وحماسة الشاب وهو يقبل على تغيير العالم بالشعر؟– فعلا، «بالصدفة، نثر الفصول» كتابي الشعري الأول.
صدوره كان منعطفا مهما في مساري المتواضع.
أعترف بأن علاقتي بالكتابة تغيرت بعد هذا الكتاب الشعري، حيث صارت الكتابة أصعب والمسؤولية أكثر وزنا.
فعلا، حين صدرت هذه الفصول ونثرها، أصابتني فرحة طفولية كبيرة، ثم الاستمرار بعنادٍ ما.
لكن الأجمل من هذه الفرحة الطفولية، أتذكر جيدا أنني كتبتُ هذه الفصول في فضاء متميز وهادئ جدا: في منزل في الريف الفرنسي، قرية صغيرة في جنوب فرنسا، في منزل ريفي رائع من حجر رمادي وخشبٍ، في غرفة هادئة كم أحبها إلى حد الآن.
وأعترف أيضا بأن هذا المنزل الريفي الصغير يحتل مكانة لا اسم لها في قلبي ومخي.
أرأيتَ، الفضاء له سحره.
فصول الكتاب أبواب مفتوحة على طبيعة جبال الألب الفرنسية.
والصمت هناك جد مقلق ورهيب جدا.
وكل خطوة في هذه القرية تحليل نفساني للجسد الحضري المرتبك، أو هكذا أراه.
فعلا، خروج الكتاب إلى النور، لكن كتابته في مثل هذا الحيز هي بمثابة أدرينالين لا أستطيع شرحها، صراحة.
*من خلال مجموع أعمالك الشعرية التي انتظمت في الصدور منذ ذلك التاريخ، تراهن على قيمة الصوت الشخصي في بناء ممارستك الشعرية داخل تعدديتها، محتفيا باللغة وانشقاقها الجمالي وخروجها على المجمع عليه، وتفاوضها الشاق بين عالمين.
ماذا يعني لك الانخراط في مثل هذه الممارسة التي تسلب أكثر مما تثبت، بل كيف تعالج مشكلة تلقيها داخل ذائقة الصوت الجهوري والممتلئ؟– البحث عن صوت شعري مغامرة حقيقة شعرية ومعرفية، وكأني بالشاعر يجد نفسه في غابة دانتي في النشيد الأول من جحيمه.
حيث في الغابة، يتلعثم الشاعر ويتيه قليلا أو كثيرا.
كل قصيدة، تقيم شعريا في العالم عبر الصوت.
وعبر الصوت، الشاعر يتكلم ويمارس التعبير الشعري المكثف والصعب ويواجه ما يحدث عبر الواقعي Le réel والتخييل الشعري.
أجل، الرهان في التجاوز يتطلب كتابة شعرية لا تتسرع: السرعة شيخوخة العالم.
وفي هذا البطء عنف غريب حين يتحول إلى سرعة أحيانا.
الشاعر لا ينفي ما كتبه من قبل، بل يحاول أن يعيد النظر ليكتب بشكل أحسن ربما، ثم يرمم لغته وقاموسه وبلاغته وحفره.
وكما جاء في سؤالك، لا بد من انشقاق جمالي، لا للخروج من المعتاد، بل من أجل كتابة تتأمل أشكالها الشعرية، وتفكر وتتأمل ما يجيء من تطور في التجربة الشعرية لكل شاعر.
هكذا أرى الأمور.
على الشاعر أن يجد قافيته الداخلية، أو متحفه الشعري الداخلي.
والأمر يتعلق أيضا بما أكتب من نثر (مقالات، نصوص نثرية أو قراءات في أعمال فنانين).
المهم هو الكتابة: أحيانا، لا شعر لي، ثم النثر يحضر من أجل كتابة أخرى.
هنا، التعدد يأخذ شكلا إيجابيا.
والأمر ليس انخراطا، إنه بالنسبة لي مغامرة لا تنتهي، لأنها في كل مرة تدفعني إلى أن تكون لغتي عنيفة حين أكتب الشعر، خصوصا.
ثم الكثافة التي أحب، تترأس مزاج صوتي الشعري.
إنه شقاء الغموض وسعادته أيضا.
أنتَ تعرف بصفتك شاعرا، أن الغموض مشكل عبر تاريخ الكتابة.
الغموض يتطلب من القارئ جهدا كبيرا.
حتى في قراءاتي، أختار النصوص الصعبة أكانت بالعربية أو بالفرنسية.
كل ما أفهم بسرعة، أضعه جانبا.
المسألة مسألة مزاج.
وغالبا ما ينفر القارئ من النصوص الغامضة: القارئ الكسول.
ولحسن الحظ، ثمة قارئ يجتهد ويقرأ ويتساءل ويحاول الدخول في هذا الغموض: ليل الكتابة بامتياز.
وفي الفن، المشكل نفسه.
الفن الحق ليس سهلا، ولا وجود لترياق لمعالجة الشيء.
إنها تربية جمالية فردية تدخل في نسق عام لقراءة النصوص الصعبة والغامضة.
وكيف لي أن أكتب بشكل واضح في عالم غامض أكثر وأكثر؟ هنا تحضرني نصوص النفري، وشعر تسيلان، وغرابة المعلقات، وزهرة أبي العلاء البلاغية، وأشياء أخرى.
على أي، الغموض غرفتي الواضحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك