تتزايد كلفة الحرب في الشرق الأوسط بصورة متسارعة، مع اتساع نطاق تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية.
وبالنسبة إلى فرنسا، لا تقتصر انعكاسات الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل صدمات اقتصادية، بخاصة في قطاع الطاقة، إلى جانب توترات دبلوماسية مع الحلفاء وتصاعد الضغوط السياسية الداخلية.
وعلى الصعيد العسكري، تعرضت القوات الفرنسية المنتشرة في المنطقة لهجمات، على رغم عدم انتظام باريس بصورة مباشرة في العمليات، فقد قتل جندي فرنسي وأصيب آخرون في هجوم بطائرة مسيرة استهدف قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان العراق، ونسب إلى ميليشيات موالية لطهران.
وفي أعقاب ذلك عززت فرنسا إجراءات الحماية لقواتها وقواعدها، وكذلك لحلفائها، خصوصاً في الإمارات والأردن وكردستان، حيث نشرت طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي، وأبقت حاملة الطائرات" شارل ديغول" وسفناً عسكرية أخرى في مواقع متقدمة.
وفي هذا السياق، يحذر مسؤولون في باريس من أخطار توسع رقعة النزاع، واحتمال انتقال تداعياته إلى أوروبا، سواء عبر هجمات إرهابية مباشرة أو عمليات بالوكالة تستهدف المصالح الفرنسية، مما يفرض رفع مستوى اليقظة الأمنية داخل الأراضي الفرنسية.
اقتصادياً، بدأت كلفة الحرب تتضح بصورة ملموسة، ففي رسالة تحمل دلالات قوية، وجهها رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو إلى وزرائه في الـ21 من أبريل (نيسان)، كشف عن تقدير رسمي لتداعيات الحرب على المالية العامة، إذ تشير التقديرات إلى خسائر تراوح ما بين 4 و6 مليارات يورو (4.
7 مليار و8.
2 مليار دولار)، في مؤشر واضح إلى الأثر المباشر للتوترات الجيوسياسية في الاقتصاد الفرنسي.
ولاحتواء هذه الضغوط، شدد ليكورنو على ضرورة تسريع وتيرة ضبط الإنفاق، بهدف تحقيق عجز في حدود خمسة في المئة الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026.
وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة تجميد نحو 6 مليارات يورو من النفقات المقررة مسبقاً، منها 4 مليارات يورو ضمن موازنة الدولة ومليارا يورو (2.
34 مليار دولار) من مخصصات الضمان الاجتماعي.
بدوره حذر وزير الحسابات العامة الفرنسي ديفيد أميل، من أن أي نفقات إضافية تفرضها أزمة الطاقة ستقابل بإلغاء اعتمادات أخرى" حتى آخر يورو"، في محاولة للحفاظ على التوازنات المالية، ودعا رئيس الوزراء مختلف القطاعات الحكومية إلى اتخاذ إجراءات إضافية للحد من الإنفاق.
وكان ليكورنو قد أشار، في تصريح صحافي، إلى أن تداعيات الحرب في الشرقين الأدنى والأوسط، إضافة إلى احتمال إغلاق مضيق هرمز، تمثل عوامل ضغط مباشرة على الاقتصاد الفرنسي، بخاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وتأتي هذه التحذيرات في سياق رد حكومي على انتقادات، رأت أن تجميد النفقات كان خياراً مطروحاً سلفاً، بغض النظر عن تطورات الحرب، غير أن الحكومة تؤكد أن التصعيد المرتبط بإيران فرض واقعاً مالياً جديداً يستدعي إجراءات استثنائية.
في المقابل، لا يمكن اختزال الحرب في إيران في بعدها الإقليمي، إذ تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً عبر تعطل تدفقات الطاقة في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن أي اضطراب في هذه المنطقة يترجم سريعاً إلى ارتفاع في أسعار الطاقة، وما يرافقه من موجة تضخم مستورد تؤثر في الأسر والشركات.
وقد تجلى ذلك بوضوح مع اندلاع التصعيد الأخير، إذ ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا إلى نحو 70 يورو (82 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بـ54 يورو (63 دولاراً) فقط قبل أيام، أي بزيادة تقارب 29 خلال أسبوع واحد، وشهدت أسعار النفط ومشتقاته، خصوصاً الديزل، ارتفاعات ملحوظة عبر الأسواق الأوروبية.
وفي ظل هذه المعطيات تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام معادلة دقيقة بين ضرورة كبح العجز والحفاظ على استقرار المالية العامة، والحاجة إلى دعم الاقتصاد وحماية القدرة الشرائية.
ومع استمرار الضبابية الجيوسياسية يبقى مستقبل هذه السياسات رهيناً بتطورات المشهد الدولي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الأزمة إلى اختبار طويل الأمد للاقتصاد الفرنسي والأوروبي على حد سواء، فهل هذه زيادة موقتة ستستوعبها الأسواق، أم أنها بداية لاضطراب مستمر في الإمدادات ذي تداعيات اقتصادية كلية أوسع؟إيران.
بؤرة توتر جيوسياسييرى الباحث والدكتور المتخصص في الاقتصاد خالد التركاوي أن الحكومة الفرنسية، تعد في جوهرها، وزارة إصلاح مالي، إذ جاءت في سياق تحديات مرتبطة بارتفاع نفقات الدولة وصعوبة تمرير القوانين المالية، وخضعت الموازنات الحكومية لسياسات تقشفية، في ظل انقسام بين مؤيد لهذه التوجهات ومعارض لها، ولم يجر اعتماد هذه الإجراءات إلا بعد نقاشات طويلة ومعقدة.
وأشار التركاوي إلى أن هذا الوضع يعود أساساً إلى تفاقم أزمة الدين العام واستمرار ارتفاعه، مما دفع الحكومة إلى تبني سياسات تهدف إلى احتوائه والحد من نمو النفقات العمومية، غير أن الحرب الأخيرة، في تقديره، أدت إلى ارتفاع ملحوظ في الكلف، سواء في ما يتعلق بواردات الطاقة بمختلف صورها، أو بكلف السلع والنقل.
وقد انعكس ذلك بصورة واضحة على السوق الفرنسية، إذ سجلت أسعار الطاقة والنقل ارتفاعاً ملحوظاً، مما أدى بدوره إلى زيادة أسعار مختلف السلع الأخرى.
وفي هذا السياق، تأثرت الأسعار في السوق الفرنسية بصورة واضحة، وأصبح المواطن يلاحظ هذا الارتفاع في كلف المعيشة، كما أن الدولة ستتحمل بدورها نفقات إضافية في حال استمرار هذا الوضع.
وفي ما يتعلق بالخيارات المطروحة أمام الحكومة، يلفت التركاوي الانتباه إلى أنها تجد نفسها أمام مسارين رئيسين لمواجهة هذه التحديات المتزايدة، يتمثل الأول في العودة إلى سياسات التقشف عبر تقليص النفقات العامة، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل التعليم والصحة والدعم الاجتماعي، بينما يقوم المسار الثاني على البحث عن موارد مالية إضافية من خلال إجراءات عدة، من بينها رفع الضرائب أو فرض رسوم جمركية جديدة، إضافة إلى اعتماد تدابير مالية أخرى تهدف إلى إعادة التوازن إلى الموازنة العامة.
وهنا يؤكد أن تداعيات الأزمات في الشرق الأوسط تنتقل إلى الاقتصاد الفرنسي عبر عدة قنوات رئيسة، في مقدمها قطاع الطاقة، إذ يؤدي أي توتر في المنطقة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما ينعكس مباشرة على كلف الإنتاج ومستويات التضخم في فرنسا.
وأوضح أن فرنسا ترتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية مهمة مع دول الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي اضطراب إقليمي ينعكس على حجم التبادل التجاري وسلاسل الإمداد، متسبباً في اختلالات داخل الأسواق، أما القناة الثالثة فتتعلق بالإنفاق العسكري، إذ تؤدي التوترات الجيوسياسية، سواء في الشرق الأوسط أو في سياق الحرب في أوكرانيا، إلى تعزيز مخاوف التصعيد، مما يدفع باريس إلى رفع موازنات الدفاع، ومن ثم زيادة الأعباء على المالية العامة.
وبخصوص بالدين العام، يشير التركاوي إلى أنه كان أصلاً في مستويات مرتفعة قبل هذه الأزمات، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة زاد من تعقيد الوضع، إذ تجد الحكومة نفسها أمام خيارين: إما دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء على المواطنين، وهو ما يرفع من حجم الإنفاق والدين، أو ترك الأسعار ترتفع، مما يؤدي إلى مزيد من التضخم.
ويقول إن قدرة فرنسا على التحرك في مجال السياسة النقدية تظل محدودة، باعتبارها جزءاً من منطقة اليورو، حيث تدار هذه السياسة بصورة مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي، مما يجعل باريس غير قادرة على اتخاذ قرارات منفردة في شأن أسعار الفائدة.
في المقابل، يوضح أن لدى فرنسا هامش تحرك على مستوى السياسات المالية، مثل الدعم العمومي أو تعديل الإنفاق، وذلك ضمن إطار موازنتها الوطنية.
ومن جهة أخرى يوضح أن فرنسا تواجه اليوم إشكالية متزايدة في الدين الحكومي، تفاقمت بصورة ملحوظة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، موضحاً أن الأعوام الماضية شهدت زيادات كبيرة في أسعار الغاز على مستوى فرنسا وأوروبا عموماً، بينما يؤدي الارتفاع الحالي في أسعار النفط إلى استمرار الضغط على المالية العمومية، ومن ثم إلى زيادة تدريجية في حجم الدين العام.
وفي ما يتعلق بالخسائر الاقتصادية، يقدر التركاوي أنها تبلغ نحو 6 مليارات يورو على المدى القصير، مع إمكان ارتفاعها في حال استمرار النزاع، موضحاً أنه في حال توقف التصعيد في المدى القريب، قد تبقى هذه الخسائر ضمن هذا السقف، أما إذا امتد النزاع لأشهر أو حتى عام كامل، فمن المرجح أن تكون التداعيات أكثر حدة، ليس فقط على الاقتصاد الفرنسي، بل على الاقتصاد العالمي ككل، مع تسجيل خسائر أكبر على المديين المتوسط والبعيد.
أما في ما يخص الاكتفاء الذاتي، فيؤكد التركاوي أنه لا توجد دولة قادرة على تحقيق استقلال كامل، بخاصة في قطاع الطاقة، مشيراً إلى أن فرنسا مثل غيرها من الاقتصادات الكبرى، تظل معتمدة على التبادلات الدولية، سواء عبر الاستيراد أو التصدير، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، يوضح أن فرنسا تستفيد من انفتاحها الاقتصادي، غير أنها تبقى في الوقت نفسه عرضة لتداعيات الأزمات الجيوسياسية التي تؤثر بصورة مباشرة في سلاسل الإمداد وأسعار المواد الأولية.
وعلى مستوى السياسات الصناعية، ينبه إلى أنه لا يتوقع حدوث تحولات جذرية في المدى القريب، غير أن فرنسا وأوروبا عموماً تتجهان نحو تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية كخيار استراتيجي لضمان الأمن الطاقي، في ظل ما يشهده العالم من تقلبات متزايدة، وهو توجه ينظر إليه باعتباره خطوة ضرورية في المرحلة الراهنة.
وعن الخسائر التي أشار إليها وزير الاقتصاد الفرنسي، يؤكد أنها ترتبط بصورة مباشرة بتداعيات الحرب، إلا أن الاقتصاد الفرنسي كان يواجه أصلاً تحديات داخلية، من بينها أزمة القطاع الزراعي واحتجاجات المزارعين، إضافة إلى تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية التي أثرت سابقاً في أسعار الطاقة وسلاسل التوريد.
وفي المجمل، تعكس هذه المعطيات، بحسب المحلل نفسه، أن الاقتصاد الفرنسي يعاني اختلالات داخلية قائمة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً في فترات الأزمات، كما هي الحال اليوم، إذ تتقاطع الضغوط الداخلية مع التوترات الدولية، مما يزيد من حجم الخسائر ويجعل آثارها أكثر وضوحاً وتأثيراً.
في سياق أوسع، لا تقتصر تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الجوانب الطاقية والمالية فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد الفرنسي عبر قنوات أخرى غير مباشرة، من أبرزها تراجع ثقة المستثمرين الأجانب وتأثيره في تدفقات الاستثمارات نحو البلد الأوروبي، إضافة إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية الذي ينعكس على تأخر واردات المواد الأولية وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري.
وتتأثر بعض القطاعات الصناعية الحيوية مثل صناعة السيارات والطيران والصناعات الكيماوية بارتفاع كلف الإنتاج والطاقة، في وقت تتجه فيه الشركات الأوروبية إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما يعرف بإعادة التوطين الصناعي، على رغم كلفته المرتفعة على المدى القصير.
وفي ظل حال عدم اليقين التي تفرضها هذه الأوضاع، يسجل سلوك الأسر الفرنسية تبايناً واضحاً بين الادخار واللجوء إلى المدخرات، إذ يفضل نحو أربعة من كل 10 فرنسيين تعزيز مدخراتهم تحسباً للمستقبل، بينما يضطر العدد نفسه تقريباً إلى السحب من مدخراتهم لمواجهة ارتفاع النفقات.
وفي هذا السياق، أفاد 42 في المئة من الفرنسيين بأنهم ادخروا أو زادوا من مدخراتهم، مقابل 42 في المئة أكدوا لجوءهم إلى هذه المدخرات، بخاصة لتغطية ارتفاع أسعار الوقود.
وأشار 33 في المئة إلى اعتمادهم المتكرر على السحب على المكشوف، في حين يفكر 11 في المئة في الحصول على قروض استهلاكية أو قاموا بذلك بالفعل، ويختلف هذا التأثير حسب الوضع المالي للأسر، إذ تميل الأسر الأكثر استقراراً إلى الادخار بنسبة 49 في المئة مقابل 28 في المئة فقط يلجأون إلى السحب من المدخرات، بينما تواجه الأسر الأكثر هشاشة ضغوطاً أكبر، إذ يعتمد 62 في المئة منها على مدخراتها لتغطية النفقات، ويعاني 60 في المئة من السحب على المكشوف بصورة متكررة، فيما يفكر 18 في المئة في الاقتراض.
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار الوقود، يطرح الفرنسيون حلولاً عدة، أبرزها خفض الضرائب على الوقود (68 في المئة)، وإلزام شركات النفط والتكرير تقليص هوامش أرباحها (56 في المئة).
ويدعو 31 في المئة إلى الحد من أرباح الموزعين، فيما يؤيد 24 في المئة تقديم مساعدات مباشرة للأسر ذات الدخل المحدود والمهنيين الأكثر تضرراً.
وبصورة عامة يحظى خيار خفض الضرائب بتوافق واسع بين مختلف التوجهات السياسية، مع اختلاف في ترتيب الأولويات.
أما في ما يخص التحول نحو السيارات الكهربائية، فلا يزال محدوداً، إذ لا يفكر سوى ستة في المئة من مالكي سيارات الوقود في الانتقال إليها بصورة جدية، بينما يعجز 29 في المئة عن ذلك لأسباب مالية، في حين يرفض 65 في المئة هذا الخيار أو لا يضعونه ضمن أولوياتهم.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد الفرنسي بات في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأزمات الدولية، إذ تتحول التوترات المرتبطة بإيران إلى عامل ضغط إضافي على مالية عمومية مثقلة أصلاً بدين يتجاوز 3 آلاف مليار يورو (3.
5 تريليون دولار)، مما ينعكس بدوره على الأسر والشركات.
ومع بلوغ عجز الموازنة نحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تتراجع هوامش التحرك أمام الحكومة، بخاصة في حال استمرار تأثير هذه التوترات على أسواق الطاقة.
وبين تصاعد الضغوط الداخلية وتسارع التحديات الخارجية، يجد الاقتصاد الفرنسي نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على الصمود، في وقت يظل فيه التساؤل قائماً حول قدرته على امتصاص هذه الصدمات من دون الانزلاق نحو مزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك