في توقيت بالغ الدلالة، جاء معرض فني في قلب العاصمة البريطانية لندن ليعيد إحياء ذاكرة الجنوب اللبناني، ويمنح صوته مساحة عالمية، في لحظة تتقاطع فيها ذاكرة الماضي مع أزمات الحاضر، لتؤكد أن «حكايات الأرض لا تموت»، وأن الشعوب التي تتجذر في ترابها تظل قادرة على الصمود مهما تعاقبت الحروب.
ووفق تقرير لصحيفة «الجارديان» فإن معرض «لا تنسني: جنوب لبنان في الذاكرة والحركة»، الذي أقيم فى «بيت فلسطين» بلندن، يقدم رواية إنسانية وسياسية متكاملة عن واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط تعقيداً وتعرضاً للصراعات.
«الجارديان»: لا يكتفى بتوثيق الماضى بل يقدم قراءة نقدية للحاضرداخل إحدى قاعات المعرض، تتكرَّر على شاشة كبيرة لقطات أرشيفية قادمة من جنوب لبنان، حيث تظهر دبابات وآليات عسكرية مدرعة تشق طريقها عبر القرى والتلال، بينما تتردد أصوات القذائف في الخلفية.
للوهلة الأولى يعتقد المشاهد أنه أمام مشاهد معاصرة من نشرات الأخبار، لكن الحقيقة أن هذه اللقطات تعود إلى عام 2000، العام الذي شهد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، بعد احتلال دام 18 عاماً، هذا التداخل بين الماضي والحاضر لم يكن مصادفة، بل يعكس طبيعة الصراع في الجنوب اللبناني، حيث تتكرر دورات العنف بشكل يكاد يكون دائرياً.
وفي زاوية أخرى من المعرض تُعرض صفحات من بعض الصحف تعود لتلك الحقبة، من بينها تقرير بارز للصحفية سوزان جولدنبرج، التى كانت آنذاك مراسلة شئون الشرق الأوسط في «الجارديان».
وتعتبر الصحيفة أن معرض «لا تنسني»، الذي أقيم في وقت سابق من هذا الشهر، جاء في توقيت حساس، تزامناً مع تحول جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة ضمن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، وهو ما أعاد المنطقة إلى دائرة الصراع مرة أخرى، ومع تصاعد العمليات العسكرية عادت الدبابات الإسرائيلية إلى الأراضى اللبنانية، لكن هذه المرة متوغلة إلى الداخل، مما أدى إلى نزوح نحو خُمس السكان، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولاً سابقة من المعاناة.
يقوم على تنظيم المعرض عدد من أبناء الجنوب اللبناني، من بينهم «رشا قطايش» و«علي أبوخليل»، اللذان أكدا أن المشروع لم يكن وليد اللحظة، بل هو حصيلة سنوات من العمل والتوثيق، وتقول «قطايش» إن الفكرة كانت مقررة للعرض منذ عام 2020، لكنها تأجلت لتخرج لاحقاً بشكل أكثر عمقاً ونضجاً، مشيرة إلى أن النسخة الأولى من المشروع ظهرت فى شكل فيلم وثائقى، استعرض ثلاثة عقود من حياة عائلتها، متنقلة بين لبنان والكويت والمملكة المتحدة، في محاولة لفهم تأثير الهجرة و«الشتات» على الهوية، ولا يقتصر المعرض على موضوع «الشتات»، بل يتناول أيضاً قضايا الأرض والذاكرة والأجيال القادمة، من خلال مجموعة واسعة من الصور والمواد السمعية والبصرية، ففي إحدى القاعات تم تغطية النوافذ برسومات رسمها أطفال لبنانيون، احتفالاً بعيد الاستقلال، في تعبير بصرى عن الأمل والاستمرارية رغم الأزمات.
«أبوخليل»: الاجتياح الإسرائيلي و«الإهمال» وفرا بيئة خصبة للتمردات الريفيةويرى «أبوخليل» أن جنوب لبنان، يحمل أهمية خاصة في تاريخ المنطقة، إذ تشكلت هويته عبر عقود من التدخلات الخارجية والاحتلال، بل و«الإهمال المتعمد»، على حد وصفه، معتبراً أن كل هذه العوامل مجتمعة أسهمت فى تكوين ثقافة سياسية قائمة على الاعتماد على الذات والمقاومة، إلى جانب شك عميق فى السلطات الخارجية.
وترجع جذور هذا الواقع إلى ما قبل استقلال لبنان عن فرنسا عام 1943، حين تركزت الاستثمارات السياسية والاقتصادية فى بيروت وجبل لبنان، بينما تُرك الجنوب مهمشاً، يُنظر إليه كمنطقة ريفية عازلة، وقد تأثرت التقاليد الزراعية فى الجنوب سلباً نتيجة السياسات الحكومية والغارات الإسرائيلية، التى استهدفت مقاتلين فلسطينيين كانوا يتمركزون فى المنطقة، ما جعله «بيئة خصبة للتمردات الريفية»، ودعم الحركات اليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعى اللبنانى.
«قطايش»: محاولة لفهم تأثير الشتات على الهويةفي هذا السياق، يسعى المعرض إلى إعادة صياغة السردية السائدة حول الجنوب اللبناني، من خلال تقديم رواية يكتبها أبناؤه أنفسهم، بدلاً من تلك التي صاغتها القوى الخارجية، أو وسائل الإعلام الدولية، وتوضح «قطايش»، في هذا الصدد، أن الهدف هو تثقيف الجمهور حول تاريخ لبنان وجماله وقدرته على الصمود، واستعادة الصوت المحلي في سرد الحكاية.
ومن أبرز الأعمال التي يتضمنها معرض «لا تنسني» شهادة مصورة للفنانة نور نصرالله، بعنوان «ما الذي تبقى»، تتضمن مقابلات مع سكان من الجنوب، عاشوا الاجتياح الإسرائيلي الأخير في أكتوبر 2024، ويقول أحد المشاركين في الشهادة: «نحن مرتبطون بهذه الأرض كما ترتبط الشجرة بجذورها في التربة»، وهى عبارة تلخص جوهر العلاقة بين الإنسان والأرض فى الجنوب اللبنانى، كما تحضر الأرض بقوة في المعرض، من خلال صور لحقول الرمان والبرتقال فى «بنت جبيل»، والمشاهد الصخرية للساحل في «الناقورة» و«صور»، لتؤكد أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هى جزء أصيل من الهوية والذاكرة الجمعية.
كما يستحضر المعرض ذاكرة الاجتياحات الإسرائيلية الكبرى فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى، حيث يشير «أبوخليل» إلى أن مؤسسات الدولة اللبنانية، وفى مقدمتها الجيش، لم تقدم الحماية اللازمة لأبناء الجنوب، ما ترك السكان عرضة للاعتداءات الإسرائيلية، وتداعيات الصراعات الإقليمية، مؤكداً أن هذا الفراغ الأمنى والسياسى أدى إلى تصاعد النزعات الراديكالية، لكنه أسهم أيضاً فى تنظيم المجتمع المحلى، وصولاً إلى تأسيس «حزب الله» عام 1982.
وفي ظل استمرار التوترات، يشير «أبوخليل» إلى أن المزاج العام في الجنوب تحول من القلق إلى حالة من الإنذار، في وقت تبدو فيه مناطق أخرى من لبنان وكأنها بعيدة عن أجواء الحرب.
هذا التباين، بحسب تعبيره، يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية إدراك الحدود داخل الدولة الواحدة، حيث تمثل الحدود بالنسبة لسكان الجنوب مسألة وجودية يومية، وليست مجرد خطوط على الخريطة.
وتختتم «الجارديان» تقريرها بالقول إن معرض «لا تنسني» لا يكتفي بتوثيق الماضي، بل يقدم قراءة نقدية للحاضر، ويطرح تساؤلات حول المستقبل، في محاولة لإعادة الاعتبار لصوت الجنوب اللبناني، وإبراز حقيقة أن هذه الأرض، رغم كل ما مرت به، لا تزال تنبض بالحياة، ويظل أبناؤها متمسكين بها، كما تتمسك الجذور بالتربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك