لندن ـ «القدس العربي»: تجهد الوساطة الباكستانية لإحداث اختراق يرفع حالة الجمود الذي أصاب المفاوضات الأمريكية الإيرانية لإنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران يوم السبت 28 شباط/ إبريل 2026.
واستطاعت إسلام آباد الحفاظ على استمرارية الهدنة لوقف النار اعتبارا من نيسان/إبريل الحالي، لكن الاندفاعة الأمريكية نحو استئناف المفاوضات التي فشلت في جولتها الأولى، إنما يلاقيها فتور إيراني يرفض العودة إلى التفاوض المباشر ما لم ترفع البحرية الأمريكية حصارها عن الموانئ الإيرانية.
وجاءت زيارة وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى باكستان يوم الجمعة الماضي في إطار جولة تقوده أيضا إلى روسيا (الحليفة) وسلطنة عُمان (الوسيط التفاوضي السابق)، لكن هذه الجولة شكّلت مناسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإرسال مبعوثَيه إلى إسلام آباد: ستيف ويتكوف المبعوث الخاص، وجاريد كوشنر صهر الرئيس لإجراء محادثات مع عراقجي.
لكن إيران قالت إن عراقجي لا يعتزم لقاء الأمريكيين، وإنما سيقدّم إلى الطرف الباكستاني كل ما يتعلق بالموقف الإيراني لإنهاء الحرب في كل الشرق الأوسط، وهذا يعني بالدرجة الأولى إيران ولبنان.
والتقى عراقجي، بوزير الخارجية الباكستاني إسحق دار يوم الجمعة في فندق سيرينا، حيث عقدت المحادثات السابقة، بينما ذكرت مصادر باكستانية أن فريقا أمريكيا للدعم اللوجستي والأمني موجود في إسلام آباد.
وأيضا بحث وزير الخارجية الإيرانية التطورات الإقليمية مع رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي في العاصمة إسلام آباد، ورافق عراقجي خلال اللقاء نائبه كاظم غريب آبادي، والمتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، وسفير إيران لدى إسلام آباد رضا أميري مقدم.
وقالت مصادر أمنية باكستانية إن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأمريكية التي تم نقلها خلال زيارة منير لطهران التي استمرت ثلاثة أيام الأسبوع الماضي.
وقال مصدر باكستاني مشارك في المحادثات لرويترز إن عباس عراقجي أبلغ المسؤولين الباكستانيين بمطالب طهران في المفاوضات وكذلك تحفظاتها على المطالب الأمريكية.
ترامب يتطلع للعرض الإيرانيذلك الرد هو ما تنتظره واشنطن، حيث إن الرئيس ترامب يُعوّل كثيرا على ما يمكن أن يخرج من إسلام آباد، حيث قال لرويترز يوم الجمعة إن طهران تعتزم تقديم عرض يهدف إلى تلبية مطالب واشنطن، لكنه لا يعرف ما الذي يتضمنه هذا العرض.
وأحجم عن تحديد الجهة التي تتفاوض معها الولايات المتحدة، وقال «لكننا نتعامل مع الأشخاص المسؤولين في الوقت الراهن».
وقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث للصحافيين إن إيران لديها فرصة لإبرام «اتفاق جيد» مع الولايات المتحدة.
وأضاف «إيران تعلم أن أمامها فرصة للاختيار بحكمة… كل ما عليها فعله هو التخلي عن السلاح النووي بطرق ملموسة يمكن التحقق منها».
كذلك قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة لاحظت بعض التقدم من الجانب الإيراني في الأيام القليلة الماضية وتأمل في تحقيق المزيد خلال محادثات مطلع الأسبوع.
وأشارت إلى أن جيه.
دي فانس نائب الرئيس الأمريكي مستعد للتوجه لباكستان أيضا.
وقبل أسبوعين وتحديدا يوم السبت 11 نيسان/إبريل، شارك فانس وويتكوف وكوشنر، في مباحثات إسلام آباد، مع رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني (البرلمان) محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عراقجي، لكنها لم تسفر عن نتائج حاسمة.
ونفت طهران مزاعم تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن استقالة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من رئاسة وفد التفاوض مع الولايات المتحدة.
وقال رئيس دائرة الإعلام في البرلمان إيمان شمسائي، الجمعة لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا»، إن الادعاءات التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن استقالة قاليباف من رئاسة وفد التفاوض الإيراني «لا أساس لها من الصحة».
وأوضح أن قاليباف لم يستقل من أي منصب يتولاه، وأنه يواصل مهامه بجدية، وأن الادعاءات باستقالته تهدف إلى «تضليل الرأي العام وإثارة البلبلة في أذهان الناس».
وكانت «القناة 12» الإسرائيلية زعمت أن قاليباف استقال من رئاسة وفد التفاوض مع الولايات المتحدة بسبب خلاف مع الحرس الثوري الإيراني.
ويُعرف قاليباف بأنه أحد الشخصيات الأكثر قربا من الحرس الثوري، حيث شغل سابقا منصب قائد سلاح الجو فيه.
باكستان والاستعانة بالصديق الصينيويبدو أن باكستان بدأت تستعين أكثر بالصين لتذليل العقبات وهو ما تجسد في الزيارة التي بدأها إلى بكين الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري يوم السبت25 نيسان/إبريل، وتستمر أسبوعا، بناء على دعوة من الحكومة الصينية.
وكانت الصين قد اضطلعت بدور في تسهيل استضافة باكستان لمحادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ولذا يبحث زرداري جهود بلاده لاستضافة جولة ثانية من المحادثات.
ولدى الصين تأثير كبير على إيران لكونها تستورد قرابة 90 في المئة من النفط الإيراني، كما أنها غاضبة على قيام الولايات المتحدة بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لما له ما تأثير على حرية الملاحة وحركة التبادل التجاري مع إيران.
ولم تفصح وزارة الخارجية الباكستانية عن فحوى مباحثات زرداري سوى القول إنها: «ستشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والممر الاقتصادي بين الصين وباكستان… وإنها تأتي في إطار تقليد مستمر منذ فترة طويلة لتبادل وجهات النظر على مستوى رفيع بين باكستان والصين وتمثل أهمية كبيرة، حيث إنها تصادف الذكرى الـ 75 لإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتعكس الالتزام العميق من الدولتين بمواصلة تعزيز الشراكة التعاونية الاستراتيجية في جميع الظروف».
ومدد ترامب من جانب واحد وقف إطلاق النار لأسبوعين يوم الثلاثاء الماضي لإتاحة المزيد من الوقت لعقد المفاوضات كما قال، في وقت واصلت أسعار النفط ارتفاعها إذ قفزت العقود الآجلة لخام برنت 16 في المئة وسط غموض يكتنف مصير محادثات السلام وتصاعد العنف في المنطقة.
وبالتوازي قام الرئيس الأمريكي بالإعلان عن تمديد هدنة وقف النار بين إسرائيل ولبنان يوم الخميس لمدة ثلاثة أسابيع بعد اجتماع بين سفيري الجانبين في البيت الأبيض، لكن من دون مؤشر يذكر على انتهاء القتال في جنوب لبنان، حيث استمرت الغارات الإسرائيلية وقتلت المزيد من المدنيين في الجنوب ومن بينهم الصحافية في جريدة «الأخبار» اللبنانية آمال الخليل في بلدة الطيري جنوبي لبنان.
أما في إيران فقد ظهر مؤشر على احتمال صمود الهدنة الأمريكية الإيرانية، قال التلفزيون الرسمي الإيراني، السبت، إنه تم استئناف الرحلات التجارية من مطار طهران الدولي، لأول مرة منذ نشوب الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل قبل نحو شهرين.
وأشار التلفزيون الإيراني إلى أن الرحلات أقلعت من مطار الإمام الخميني الدولي في طهران متجهة إلى اسطنبول، ومسقط، عاصمة سلطنة عمان، والمدينة المنورة في السعودية.
وأظهر موقع فلايت رادار 24، وهو منصة لتتبع الرحلات الجوية أن ثلاث رحلات جوية على الأقل متجهة إلى اسطنبول غادرت صباح السبت.
وأعادت إيران بشكل جزئي فتح مجالها الجوي في وقت سابق من هذا الشهر، وسط وقف لإطلاق النار مع أمريكا.
أما على صعيد أزمة الطاقة العالمية فقد أظهرت بيانات الشحن يوم الجمعة عبور خمس سفن لمضيق هرمز خلال أربع وعشرين ساعة، مقارنة بنحو 130 سفينة يوميا قبل الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/فبراير الماضي.
ومن بين السفن ناقلة منتجات نفطية إيرانية، لكن لم تعبر أي من ناقلات النفط العملاقة التي تمد أسواق الطاقة العالمية بالإمدادات عادة.
وتحاول دول عدة وخاصة الأوروبية منها الدخول على خط مضيق هرمز لكنها تخشى من ردة الفعل الإيرانية التي ترى في إدارة المضيق حقا سياديا لها لا يشاركها فيه أحد إلا سلطنة عُمان.
وفي هذا السياق أعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، السبت، عزم برلين إرسال كاسحة ألغام إلى البحر المتوسط، بهدف عدم إضاعة الوقت في حال تكليفها بمهمة محتملة في مضيق هرمز.
وفي مقابلة مع صحيفة «راينيشه بوست» المحلية، أوضح بيستوريوس أن الشرط الأساسي الأول لمشاركة البحرية الألمانية في مضيق هرمز هو انتهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
وأضاف أن البحرية الألمانية تتمتع بكفاءة عالية في كشف الألغام وإزالتها، ويمكنها الإسهام في تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
وأشار إلى أن تنفيذ أي مهمة في المنطقة يتطلب الحصول على تفويض من البرلمان الألماني، وأن برلين قررت إرسال جزء من القوات إلى البحر المتوسط مسبقا لكسب الوقت.
ولم يحدد وزير الدفاع الألماني موعدا لإرسال كاسحة الألغام إلى البحر المتوسط.
وردا على سؤال عن إمكانية توسيع تفويض مهمة «أسبيدس» التابعة للاتحاد الأوروبي لتشمل مضيق هرمز، قال بيستوريوس: «سيكون ذلك خيارا مناسبا ويمكن التفكير فيه».
وأضاف أن التفويض الجغرافي لمهمة «أسبيدس» يشمل بالفعل منطقة الخليج، إلا أن القوات ركزت حتى الآن على مواجهة التهديدات التي تستهدف النقل البحري المدني في البحر الأحمر، باستخدام وسائل عسكرية، ولذلك قد يكون من الضروري تعديل الإطار القانوني للمهمة.
وفي تركيا قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده قد تدرس المشاركة في عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز في حال توصلت إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق سلام.
وأضاف فيدان، في حديثه للصحافيين في لندن مساء الجمعة، أنه من المتوقع أن يباشر فريق فني أعمال إزالة الألغام في المضيق بعد إبرام اتفاق، موضحا أن تركيا تنظر إلى هذه الجهود بشكل إيجابي من حيث المبدأ باعتبارها واجبا إنسانيا.
وذكر أن أي مهام لإزالة الألغام سينفذها فريق فني من دول مختلفة، مؤكدا أن ليس لدى أنقرة «أي مشكلة» حيال المشاركة في تلك العمليات في ظل هذه الظروف.
وأشار إلى أن تركيا ستعيد تقييم موقفها إذا أصبح أي تحالف فني مستقبلي بين الدول طرفا في أي صراع متجدد.
وعبّر فيدان أيضا عن اعتقاده بأن القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني يمكن حلها في الجولة المقبلة من المحادثات في باكستان.
وتُعتبر تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر من الدول الداعمة للوساطة الباكستانية لوقف الحرب.
وأكدت مصر أهمية التوصل إلى تفاهمات في الجولة الثانية المرتقبة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الجانبين.
أفاد بذلك وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره البرازيلي ماورو فييرا، وفق بيان للخارجية المصرية، السبت.
ووفقا لبيان وزارة الخارجية المصرية، فقد تناول الاتصال الهاتفي «سبل دعم وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وتبادل الرؤى إزاء عدد من القضايا الإقليمية».
كما تناول الاتصال «التطورات الإقليمية والجهود الرامية للدفع بالمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران».
وأكد عبد العاطي «دعم مصر للمسار التفاوضي وأهمية المضي قدما في الجولة الثانية من المفاوضات بين الجانبين، والعمل على التوصل لتفاهمات تسفر عن تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب».
واستعرض «الجهود والاتصالات المصرية المستمرة في هذا الصدد»، مؤكدا أن «التفاوض والحوار يمثلان السبيل الوحيد لتسوية النزاع القائم، بما يسهم في خفض التصعيد وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري، والحفاظ على حرية الملاحة الدولية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك