تتعدد المداخل للولوج إلى رواية «العلبة – يحيى الذي رأى» للكاتبة اللبنانية شادن دياب، لأنها تؤسس ثيمات ومرتكزات دالة، منها ثيمة السلطة والمعرفة، ومنها أيضا أدب ما بعد الاستعمار المقاوم في عنايته باللاجئين، والكشف عن طريقة التعامل معهم، حيث يتحولون على يديه إلى فئران تجارب، لأنهم يمثلون في منطق هذه السلطة أو القوة أناسا غير مكتملي الأهلية، فهم يشكلون وجودا ناقصا غير كامل، ولا يستطيعون إدارة أمور أنفسهم إلا بالهرب إلى أرض المأوى بالرغم من خطورة التجربة والعبور على سفن بدائية أو زورق.
هناك إشارات في الرواية تجعل هذا النص القصير والصغير حجما منفتحا على دلالات وأطر معرفية متشابكة.
يتمثل السند الأول في العناية الخاصة بالنصوص الموازية أو التصديرات التي تسبق النص.
فذكر أسماء الإعلاميين والمصورين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة له دلالة كاشفة عن توجّه العمل الروائي، فهذا التعدد العرقي في المقتولين، يفتح النص الروائي على مقاربة الظاهرة في معناها العميق من دون تعلّق أو ارتباط بعرق أو جنس، فالأساس مأساة اللاجئين، وما يرتبط بآلية التعامل معهم وانتهاك إنسانيتهم.
وفي التوجه ذاته تتجلّى تصديرات الفصول التي تضعنا في قلب حالة من الزلزلة أو الرجرجة في تلقي النص.
فالرواية يمكن تصنيفها على أنها رواية ما بعد الاستعمار، ويمكن أن توضع في سياق النقد البيئي، وفي ظلّ هذين الملمحين أو التوجهين تطلّ الرواية بوصفها رسالة هجاء فنية إلى العالم المتحضّر، تعرّي فيه الكاتبة الإنسانية الزائفة، وتصرّ على الإشارة بوجود الاستعمار بشكل جديد، حيث يؤسس هذا الاستعمار الجديد للتراتب العرقي، والطبقية التراتبية بين أعراق البشر.
تؤسس الرواية في ظلّ هذه المناحي توجّها فنيا قائما على تعرية الزائف، فيتحوّل خطابها إلى خطاب مضاد لفكرة السلطة والهيمنة في أشكالها الناعمة الجديدة، وتتموضع داخل نسق الرد بالكتابة، حيث تخلخل المدنية الزائفة، وزيف التقدّم، وزيف المبادئ الإنسانية الهشّة للمساواة.
تعطي الرواية للشخصيات الهامشية التي يفتك بها العالم، ويحرّكها وفق سلطته وقوّته، دورا يكتشفون فيه النسق المخفي، وصوتا مضادا لكل الانحيازات، أو التراتبات العرقية التي تصنعها وتؤسس لها سلطة القوة أو سلطة المعرفة.
إن تحوّل اللاجئين إلى أدوات أو فئران تجارب لفحص أثر الأدوية الجديدة، ليس إلا إرساء لطبيعة النظرة القديمة التي تفرّق العالم بأعراقه وأجناسه إلى شرائح، يستحق بعضها الحياة والاستمرار في نعيمها، ويقف البعض الآخر عند حدود الأداة أو الوسيلة المساعدة لتحقيق رفاهية القسم الأول.
وفي كل ذلك إعادة اشتغال على فكرتي الوطن والهوية، فاللاجئون لا يملكون هوية كاملة، بل هوية ناقصة، لأنهم خارج حدود الوطن بالمعنى التقليدي.
يدرك قارئ الرواية أن هناك حركة لاهثة بين السردي والشعري على مستويات عديدة، منها ما يرتبط ببنبة السرد، ومنها ما يرتبط بلغة الكتابة، ومنها ما يرتبط بالإطار المعرفي الذي لا يكف عن محاولة الإمساك بأفكار لها وجودها في الفكر العالمي.
أول شيء يمكن أن يقابلنا، ويكشف عن الجدل بين السردي والشعري، يتمثل في حالة التغييب التي يمارسها السرد على جزئيات العالم أو الكون الروائي.
فالشخصيات – وإن حاول القارئ تسجيل كل شيء ذكر في النص للكشف عنها وعن طبيعتها – تظلّ محاطة بغموض وهلامية وعدم تحديد كامل.
ينطبق الأمر السابق على كل الشخصيات، فهي شخصيات تطلّ بشكل جانبي مقطوع، وحضورها في النص ليس مؤسسا على تاريخ كامل سابق، ليتكشّف للقارئ وجود جزئي غير كامل أثناء القراءة لها.
فشخصية يحيى لا تتجلّى كاملة أو شبه كاملة، هي أشبه بالوجود العرضي، المملوء بقليل من النتف السردية الصغرى التي تأتي استنادا إلى آليات سردية ارتدادية مثل تيار الوعي أو الفلاش باك، فيدرك القارئ عشقه للتصوير منذ طفولته تقليدا لنموذج سابق في عائلته، يرتبط بالخال الذي مرّ بالتجربة ذاتها، بداية من عشق الكاميرا ومرورا بالعمل الإعلامي، و ختاما بالنهاية الأليمة.
ومن الأشياء التي تجعل الرواية تنفتح على الشعري ضبابية المكان الذي جاء منه هؤلاء اللاجئون، بالرغم من أن هناك إشارات قد توحي وتحدد طبيعته، لكنها تظلّ دائرة في الإيحاء من دون يقين نهائي بالتحديد.
وحضور عدم التحديد يجعل المتلقي أثناء القراءة موزّعا بين التغييب الشعري والإفصاح السردي، ويجعله في حركة دائمة بين ما تشكّله هذه الإشارات، وما يغيّب النص ذكره عامدا بشكل مباشر، حفاظا على مقاربة الأمر- أمر اللاجئين- مقاربة موضوعية بدون انحياز إلى عرقية تقلل من سموق الفكرة في أصلها المثالي، أو من تحديد يغتال انفتاح التوجّه الإنساني بشكل عام.
أما معاينة التوزّع بين الشعري والسردي في إطار اللغة فالأمر يبدو أكثر تعقيدا في معاينة التغييب، لأن الكتابة السردية لا تعتمد اللغة التقريرية، وإنما تستقوي بلغة استعارية مملوءة بالاستعارات والتشبيهات.
وهذا يكشف عن أن الرواية مهمومة برصد أشياء غير ناجزة، وربما مهمومة بالإمساك بأحاسيس تفرّ، واستخدام هذه الآليات الفنية غالبا ما يأتي لمحاولة تقريب الأمر للقارئ.
والنماذج في هذا الإطار كثيرة في النص الروائي، ولا تأتي فقط لمحاولة تقريب الإحساس للقارئ، لكنها تأتي في كثير من الأحيان لفرض طريقة معينة في مقاربة العالم المرتبط بالشخصية الرئيسية يحيى.
من يقرأ النص االروائي يدرك أن الرواية مملوءة بأجزاء عديدة أقرب إلى الشعر منها إلى الرواية، ليس فقط بسبب الاستعارات أو التشبيهات، فهذا كله يوجد في النصوص الروائية بشكل أو بآخر، ولكن لسببين: الأول منهما أن النص يحاول أن يقارب شيئا غير منجز، أو في طور التكوين والتأسيس، هو شيء لا يمكن تكديسه أو الإمساك به.
وهذا يوجهنا نحو السبب الثاني والأخير، وهو سبب يرتبط بالتغييب، فالصفات المسدلة أو التمدد التركيبي في وصف الأشيء والمشاعر لا يؤدي إلى التوضيح والكشف، وإنما إلى التغييب داخل علالة شفيفة.
يتجلّى ذلك واضحا في قول النص على لسان إيلين عن الشخص الذي يجلس بجوارها في الحافلة: «كنا نجلس جنبا إلى جنب، راكبين عالقين بين عوالم لا تلتقي.
هو جاء من وطن بلا اسم، أو من جرح قديم، وأنا أتيت من ماضٍ منمق أبيض، منضبط أكثر مما ينبغي، مع ذلك كان في عينيه شيء يشبهني».
فاللغة المستخدمة هنا لا تكشف بقدر ما تواري، ويشعر القارئ أن اللغة تسهم في خلق جوٍّ موحٍ، لكنه غير محدد تحديدا نهائيا، فهي تكشف وتحجب شيئا في الآن ذاته، ليس لأنه غير موجود، ولكن لكونه متفلّتا زلقا غير مدرك، ولا يمكن الإمساك به بسهولة.
الرؤية كشف والمرور بالنفق صعوبة وخفوت ضوء يتماس مع عملية الفهم، فالنفق يمثل السبيل الأولى للوصول إلى الوعي والمعرفة، وكشف الأسرار التي تتكشّف تدريجيا عن أصحاب السلطة والقوة، وطريقة تعاملهم مع سكّان المخيم، مثل مؤسسة «x»، أما المقولات المعرفية التي تتمركز في بداية كل فصل، فهي مقولات نمت وطغت دلالتها على الجزئي البسيط، وأصبحت أكثر ارتباطا بالكتل الكبرى وحركتها المعرفية داخل النص.
يحتاج نص «العلبة» بعالمه السردي شديد الخصوصية، الموزّع بين السردي والشعري قارئا على شاكلته، فكل نصّ يختار القرّاء المجيدين له، وذلك من خلال بذر وتوزيع المرشدات الدالة على مناحي التأويل أو المناحي القرائية التي يمكن أن تكون أكثر فاعلية وحضورا.
قارئ هذا النص عليه التدثر بمسوح مشابهة للنص، ليدرك حقيقة ما يكتشف من موبقات باسم المدنية والتحضر، في إطار من الاندهاش والانشداه والخوف، وبالرغم من كل هذه المعرفة عليه أن يكمل طريقه وسط نيران تلمع ألسنتها في الذهن والخيال قبل أن تشتعل واقعا فعليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك