بقي المفكر الجزائري الراحل محمد أركون، موضوع جدل واسع في بلاده الجزائر وفي العالم العربي، بسبب الالتباس الحاصل حول الكثير من الأدوات التحليلية والمفاهيم التي طرحها، مثل «تاريخانية النص» و«اللامفكر فيه» و«الإسلاميات التطبيقية».
لكن مع الحاجة لمقاربة الظاهرة الدينية بأدوات جديدة بعدما مرّ عليه العالم العربي والإسلامي من تجارب في القرن الأخير، عاد أركون إلى الواجهة، ليقدم إجابات بقيت مطمورة في كتبه حول أسئلة وأزمات راهنة.
وفي هذا الحوار مع «القدس العربي»، يقدم الباحث الجزائري محمد السعيد بوسعدية قراءة شاملة في مشروع أركون الفكري مع مقاربة تربط المفاهيم التي طورها بأحداث اليوم.
ويرى صاحب كتاب «إشكالية الإسلام السياسي والحركات الإسلامية عند محمد أركون» أن إسهام محمد أركون لا يقتصر على فهم أزمات العالم العربي، بل يمتد ليشمل مجمل الفضاء الإسلامي، حيث تتداخل أزمات الدين والسياسة والحداثة بشكل معقد، معتبراً أن ما تشهده دول مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن والسودان ولبنان والصومال، إلى جانب مناطق أخرى كالساحل الأفريقي وشمال نيجيريا وأفغانستان وباكستان، يعكس اختلالاً عميقاً في أنماط التفكير وفي طبيعة العلاقة بين المقدّس والتاريخي، وليس مجرد صراعات سياسية أو طائفية منفصلة.
وفيما يأتي نص الحوار.
○ بعد سنوات على رحيل أركون، هل ما تزال أفكاره راهنة في النقاش العربي، أم بقيت حبيسة النخب الأكاديمية؟ وهل هناك اليوم اهتمام متجدد بمشروعه؟• توفي محمد أركون في 14 ايلول/سبتمبر 2010، غير أنّ الاهتمام بفكره لم يتراجع بعد رحيله، فعلى العكس، لعلّ غيابه كشف عن قابلية مشروعه الفكري للاستمرار والتجدد داخل فضاءات معرفية متعددة ومتباينة.
فقد ازداد الانشغال بأعماله في العالم العربي، كما في الفضاءات الإسلامية غير العربية، كتركيا وإيران وإندونيسيا وماليزيا، فضلًا عن أوروبا، ولا سيما فرنسا، التي ما تزال تعرف توترات مفهومية تتصل بأسس جمهوريتها وعلمانيتها.
وهي الإشكالات ذاتها التي اشتغل عليها أركون ضمن ما يمكن تسميته بـ«نقد العقل الإسلامي» و«تفكيك أنظمة المعنى المغلقة»، حيث وسّع دائرة النقد لتشمل، إلى جانب البنى التقليدية للفكر الديني، بعض تمثلات العلمانية المتطرفة والعقل الحداثي، ساعيا إلى إعادة بناء العلاقة بين الدين والعلمانية والحداثة عموما على أسس معرفية نقدية.
في السياق العربي، تكشف استمرارية التوترات الطائفية والإثنية عن عجز العقل السياسي عن الانفكاك من البنى الذهنية الموروثة، حيث ما تزال الهويات المغلقة-والقاتلة حسب أمين معلوف- تُنتج أشكالا من الصراع الرمزي والمادي.
وقد سعى أركون، عبر مقاربته التاريخية-الأنثروبولوجية، إلى كشف الجذور العميقة لهذه الظواهر، من خلال تفكيك ما أسماه بـ«اللامفكَّر فيه» و«المستحيل التفكير فيه» داخل التراث الإسلامي.
ومن ثمّ، فإنّ مشروعه لا يقدّم أجوبة جاهزة، بقدر ما يفتح أفقا إبستمولوجيا يسمح بإعادة مساءلة هذه الانقسامات وتجاوزها ضمن أفق إنساني أوسع.
ولعلّ المفارقة اللافتة تتمثل في أنّ النقد الذي وُجّه إلى أركون، سواء من قبل التيارات الإسلامية المحافظة أو من بعض الاتجاهات الحداثية، بل وحتى من داخل الأوساط الاستشراقية الغربية، قد أسهم في توسيع أفق تلقيه.
إذ تحوّل فكره إلى موضوع جدل خصب، أخرجه من دائرة التداول النخبوي الضيق إلى فضاء ثقافي أوسع، حيث بدأت مفاهيمه تتسرّب تدريجيًا إلى وعي فئات من المثقفين والباحثين خارج الأطر الأكاديمية الصارمة.
وكان لجهود الترجمة دور حاسم في هذا الانتشار في العالم العربي، خاصة عبر أعمال هاشم صالح، الذي اضطلع بمهمة نقل المشروع الأركوني إلى العربية، إلى جانب مترجمين آخرين أسهموا في تفكيك لغته المفاهيمية المركبة وتيسيرها.
ونتيجة لذلك، أصبح الفكر الأركوني حاضرا بقوة في الحقل الجامعي العربي، حيث تتكاثر الأطروحات والدراسات التي تتناوله بالتحليل والنقد، بما يدل على تحوّله إلى مرجعية فكرية لا يمكن تجاوزها في دراسة التراث الإسلامي.
غير أنّ أهمية أركون لا تقتصر على الحضور الأكاديمي، وإنما تتجاوزه إلى إمكان إحداث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التلقي التقليدية للنصوص الدينية.
فقد أتاح، من خلال توظيفه لمناهج العلوم الإنسانية الحديثة، إمكان بناء قراءة نقدية للتراث بدون السقوط في نزعة عدميّة أو قطيعة جذرية مع الموروث.
وهو ما ساعد على جعل مشروعه قابلا للتداول لدى جمهور أوسع، بدأ يستوعب تدريجيا مفاهيمه دون أن يشعر بتهديد مباشر لبنيته الاعتقادية.
إنّ راهنية الفكر الأركوني تتجلى، في جوهرها، في قدرته على إعادة فتح ملف التراث الإسلامي بوصفه مجالا للتفكير لا للتقديس الجامد، وعلى إدماجه ضمن أفق تاريخي وإنساني متحوّل.
فمشروعه النقدي، بما ينطوي عليه من مساءلة جذرية للمسلّمات، يظل أداة معرفية فعالة لمواجهة تحديات الحاضر، سواء تعلّق الأمر بإشكالية العنف والتطرف، أو بإعادة بناء العلاقة بين الدين والعقل، أو بإنتاج حداثة بديلة لا تقطع مع المرجعيات الثقافية، ولكن تعيد تأويلها ضمن أفق كوني منفتح.
ومن هذا المنظور، يبدو لي أنّ محمد أركون سيظل حاضرا في الفضاء العربي-الإسلامي، لا بوصفه مجرد مؤرخ للفكر الإسلامي كما كان يعرّف نفسه، ولكن باعتباره صاحب مشروع فكري مفتوح، وجهاز مفاهيمي حيّ، لم تُستنفد بعد إمكاناته التأويلية والنقدية.
○ يُوصف فكر أركون بالصعوبة والتعقيد، هل يعود ذلك إلى أسلوبه أم إلى طبيعة المشروع النقدي الذي يطرحه؟ ولماذا لم ينتشر بشكل واسع مقارنة بغيره؟• في اعتقادي، لا يمكن اختزال صعوبة فكر محمد أركون في مجرد تعقيد أسلوبي ومفاهيمي، كما لا يصح ردّها فقط إلى عجز القارئ عن الفهم، وإلا كيف يحق لمنتقديه إقامة الحجة عليه، مادام فكره عصي الفهم؟ أعتقد أنّ هذه الصعوبة ناتجة أساسًا عن طبيعة المشروع النقدي الذي يطرحه.
فأركون لا يكتب داخل الأطر المعرفية المألوفة، ولكن يسعى إلى زحزحتها وتفكيكها، مستعينا بشبكة مفاهيمية متعددة المشارب تنتمي إلى حقول معرفية متداخلة.
إنّ الدارس للفكر الأركوني يجد نفسه أمام مشروع يقتضي جهدا معرفيا مركبا؛ فمن جهة، يتطلب الإلمام بتاريخ الفكر الإسلامي في أبعاده السياسية والدينية والكلامية والفقهية واللغوية، ومن جهة أخرى، يفرض الانفتاح على مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، مثل التاريخية، والألسنية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس التاريخي، فضلا عن استيعاب أدوات التحليل المستمدة من البنيوية والتفكيكية، وتأثيرات مدرسة الحوليات.
كما يستدعي هذا المشروع معرفة عميقة بسياق تشكل الحداثة الأوروبية، خاصة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر، وفلسفة الأنوار، ومناهج النقد التاريخي، إلى جانب المقارنة بين الأديان، ولا سيما المسيحية واليهودية، باعتبار المقارنة أداة كاشفة لبنيات الفكر الديني عموما وتحولاته.
من هنا، فإن صعوبة فكر أركون ليست تعقيدا مفتعلا، وإنما هي تعبير عن مشروع يسعى إلى إعادة بناء حقل معرفي كامل، وليس مجرد تقديم أطروحات جزئية.
ولذلك، فإن تلقي هذا الفكر يظل محدودًا نسبيًا، لأنه يتطلب قارئا مهيأ معرفيا، وقادرا على التنقل بين حقول متعددة، وهو ما لا يتوفر دائما في المجال الثقافي العام، خاصة أمام ضعف نسبة المقروئية في عالمنا العربي-الإسلامي، وغياب الفكر النقدي حتى لدى الأوساط الجامعية.
أمّا عن محدودية انتشار فكر محمد أركون مقارنة بغيره، فيمكن تفسيرها بعدة عوامل؛ من أبرزها كثافة جهازه المفاهيمي، وابتعاده عن الأسلوب التبسيطي، فضلا عن حساسية الموضوعات التي يعالجها، والتي تمسّ المسكوت عنه في التراث الديني.
كما أنّ بعض المشاريع الفكرية الأخرى، مثل أعمال مالك بن نبي أو محمد شحرور، قدّمت أطروحات أقرب إلى التداول العام، سواء من حيث اللغة أو من حيث مباشرة الإشكاليات، ما ساهم في انتشارها على نطاق أوسع.
فثمّة فرق واضح، مثلا، بين كتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، وكتاب «الكتاب والقرآن» لمحمد شحرور، من جهة، وكتاب محمد أركون «قراءات في القرآن» الذي نقله إلى العربية هاشم صالح بعنوان «القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني» من جهة أخرى؛ حيث يوظف أركون مقاربات متعددة، كالتاريخية والأنثروبولوجية والألسنية، في تحليل النص الديني، وهو ما يزيد من عمق مشروعه، لكنه في الوقت نفسه يحدّ من انتشاره لدى القارئ العام.
○ ما المقصود بمفهوم «الإسلاميات التطبيقية» عند أركون، وكيف تختلف عن الدراسات الإسلامية التقليدية أو عن الاستشراق الكلاسيكي؟• اشتهر محمد أركون بنقده الجذري لما يسميه بـ«الإسلاميات الكلاسيكية»، أي ذلك الخطاب الغربي حول الإسلام الذي تبلور ضمن تقاليد الاستشراق خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
فقد تعامل هذا الاتجاه مع التراث الإسلامي بوصفه مدونة مغلقة من النصوص الثابتة، معزولا عن شروط إنتاجه التاريخية والاجتماعية والسياسي.
وعلى الرغم من اعتماده مناهج دقيقة في التحقيق اللغوي والتاريخي، فإنه ظل-في نظر أركون- محدود الأفق، لأنه لم ينفتح بما يكفي على مناهج العلوم الإنسانية الحديثة مثل الأنثروبولوجيا، واللسانيات، والنقد التاريخي، والإبستمولوجيا، وعلم النفس التاريخي، ومقارنة الأديان.
في مقابل ذلك، بلور أركون مشروع «الإسلاميات التطبيقية»، بوصفه ممارسة علمية متعددة الاختصاصات، تهدف إلى دراسة الظاهرة الإسلامية في كليتها وتعقيدها.
ولا يقتصر هذا المنهج على تحليل النصوص الدينية فحسب، ولكن يتجاوزها إلى تفكيك شروط إنتاجها، وآليات تشكّلها، وحدود التفكير فيها.
ينطلق هذا المشروع من اعتبار أنّ الإسلام، منذ نشأته، ارتبط ارتباطا وثيقا بظاهرة «الكلام» الذي تحوّل إلى نصّ، سواء في القرآن أو في التفاسير والمدوّنات التراثية اللاحقة.
وهو ما يفرض على الباحث امتلاك أدوات دقيقة في علوم اللغة، والانفتاح على المنهج اللساني، ولكن ضمن أفق أوسع يستوعب تداخل العوامل المتعدّدة.
فالإسلام، في منظور محمد أركون، يجب أن يُفهم بوصفه ظاهرة تاريخية مركّبة؛ تتداخل فيها الأبعاد النفسية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، الأمر الذي يستدعي توظيف علم النفس التاريخي.
كما تنخرط هذه الظاهرة ضمن سياقات تاريخية متحوّلة، ما يقتضي اعتماد المنهج التاريخي، فضلا عن ارتباطها ببُنى سوسيولوجية تحدّد موقع الدين داخل كل مجتمع، وهو ما يُحلَّل من خلال علم اجتماع الأديان.
ولا ينفصل ذلك عن الأبعاد الرمزية والثقافية التي تُسهم في تشكيل المعنى وتداوله داخل الفضاء الإسلامي.
وبذلك، تختلف «الإسلاميات التطبيقية» عن الدراسات الإسلامية التقليدية التي غالبًا ما تظل أسيرة المقاربات الفقهية أو اللاهوتية الداخلية، كما تختلف عن الاستشراق الكلاسيكي الذي بقي حبيس الرؤية الخارجية الاختزالية.
إنها، في جوهرها، دعوة إلى إعادة بناء المعرفة بالإسلام على أسس نقدية، تاريخية، وإنسانية، تدمج بين الصرامة العلمية والانفتاح المنهجي، بما يسمح بفهم أكثر عمقًا ودينامية للظاهرة الدينية.
○ يرى أركون أن العقل الفقهي دخل في دائرة الجمود وأن باب الاجتهاد أقفل تماما، ماذا يعني بذلك؟ وهل اعتراضه هنا على النصوص أم على طرق فهمها؟• صحيح، يرى أركون أنّ ما يُسمّى بـ«إغلاق باب الاجتهاد» يمثل مسارا طويلا في تاريخ الفكر الإسلامي، انتهى إلى تجميد آليات إنتاج المعنى داخل العقل الفقهي.
فالتجمّد، في نظره، يعني تحوّل الاجتهاد من ممارسة نقدية مفتوحة إلى نشاط محدود يُعاد فيه إنتاج ما استقرّ في المدوّنات الكلاسيكية.
وقد تجلّى هذا المسار في تضخّم الشروح والحواشي، حيث اكتسبت بعض المتون المختصرة وشروحها سلطة معيارية داخل المذهب، كما هو الحال مع «مختصر خليل» وشروحه، التي غدت مرجعا أساسيا في الفقه المالكي، وأحيانا مُقدَّمة في التداول التعليمي والعملي على الموطأ للإمام مالك بن أنس، من دون أن يعني ذلك تطابقهما أو تساويهما من حيث القيمة التأسيسية.
وارتبط هذا المسار بتشكّل المدارس الفقهية الكبرى، سواء ضمن الإطار السني (كالمالكية والحنفية والشافعية والحنبلية)، أو الشيعي (كالجعفرية والإسماعيلية والزيدية)، فضلًا عن الإباضية؛ حيث أفضى ترسّخ هذه المدارس، عبر الزمن، إلى تكريس نمطٍ من التقليد المذهبي الذي ضيّق نسبيًا من مجال الابتكار، وجعل الانتماء المذهبي يكتسب طابعا معياريا مهيمنا في الممارسة الفقهية.
ولم يقتصر هذا المسار على الفقه، بل شمل أيضا مجال علم الكلام، خاصة مع تراجع التيارات العقلانية، وفي مقدّمتها المعتزلة، مقابل صعود اتجاهات منحت أولوية أكبر للنقل، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل التوازن بين العقل والنص داخل الثقافة الإسلامية.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في بروز الأشعرية بوصفها أحد التيارات الكلامية المهيمنة في مجالات واسعة من العالم الإسلامي، بدون أن يلغي ذلك استمرار مدارس واتجاهات أخرى أو تلاشيها بالكامل.
ويولي أركون في نقده للعقل الإسلامي أهمية خاصة للدور الذي اضطلع به محمد بن إدريس الشافعي في تقعيد علم أصول الفقه عبر «رسالته»، وذلك كما عرضه في كتابه «تاريخية الفكر العربي الإسلامي».
إذ يرى أن هذا التقعيد، على الرغم من أهميته المنهجية في ضبط الاستنباط، قد أسهم في تحديد أفق الاجتهاد داخل إطار نصّي مضبوط نسبيا (القرآن، الحديث، الإجماع، القياس)، ما حدّ من إمكانات التفكير الحر خارج هذه الأطر.
غير أنّ اعتراض أركون ونقده لما يسميه «العقل الإسلامي» لا يتوجّه إلى القرآن أو إلى النصوص التأسيسية في ذاتها، بقدر ما ينصبّ على الطرائق التاريخية التي فُهمت بها هذه النصوص، والتي تحوّلت تدريجيا إلى قراءات معيارية شبه مقدّسة.
فالإشكال، في نظره، يكمن في أنّ هذه التأويلات أُغلقت أمام النقد، وأُدرجت ضمن ما يسميه «اللامفكَّر فيه»، بحيث لم يعد يُسمح بإعادة مساءلتها أو تجاوزها.
ومن هنا، يميّز أركون بين «الظاهرة القرآنية»، بوصفها مرتبطة بالنص الإلهي في لحظته التأسيسية، و«الظاهرة الإسلامية» بوصفها سيرورة تاريخية مفتوحة، تتجلّى عبر تعدّد القراءات وأنماط التديّن وتحوّلاتها المستمرة إلى يومنا هذا.
ومن ثمّ، يدعو إلى إعادة فتح مجال الاجتهاد، ليس بالعودة إلى الماضي كما هو، وذلك عبر تفكيك البُنى المعرفية التقليدية، والانفتاح على مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، من أجل إنتاج قراءة تاريخية نقدية للنصوص الدينية.
○ عندما يتحدث أركون عن «تاريخانية» النص القرآني، ماذا يقصد تحديدًا؟ هل يعني ذلك نزع القداسة وألا يتعارض ذلك مع فكرة صلاحية النص لكل زمان ومكان؟• ينبغي التمييز بين مفهومي «التاريخانية» و«التاريخية» عند أركون؛ إذ هو لا يقصد بالتاريخانية ذلك التصوّر الفلسفي الذي يُخضع الظواهر البشرية لقوانين حتمية للتطور-كما هو الحال عند بعض فلاسفة الحتميات مثل كارل ماركس، إميل دوركايم، سيغموند فرويد-بقدر ما يؤكد على تاريخية النص، أي ارتباطه بسياقات محدّدة زمنيا وثقافيا ولغويا.
فالمقصود بتاريخية القرآن أنّه نزل ضمن شروط تاريخية معيّنة، تتداخل فيها الأبعاد اللغوية (اللغة العربية في سياقها التداولي زمن النزول بالحجاز خاصة)، والاجتماعية، والنفسية، والأنثروبولوجية.
ويتجلّى ذلك في ظواهر معروفة في علوم القرآن، مثل أسباب النزول، والتمييز بين المكي والمدني، وطابع التدرّج، وقضية الناسخ والمنسوخ، وكلّها تعكس تفاعل النص مع واقع تاريخي حيّ.
غير أنّ هذا التصوّر لا يعني، عند أركون، نزع القداسة عن النص، بل يهدف إلى تحرير فهمه من القراءات المغلقة التي حصرت دلالاته في تأويلات نهائية.
فالتاريخية هنا تتعلّق بظروف التلقّي والتشكّل، لا بأصل النص في ذاته بوصفه وحيا إلهيا.
ومن ثمّ، لا يتعارض هذا المنظور مع فكرة صلاحية النص لكل زمان ومكان، بل يعيد تأسيسها على نحوٍ جديد؛ إذ يجعل من الانفتاح التأويلي شرطا لاستمرار فاعلية النص، بحيث يظلّ قادرا على إنتاج معانٍ متجدّدة في سياقات مختلفة، بدل أن يُختزل في فهم واحد ثابت.
○ مفهوم «اللامفكر فيه» يُعدّ من أبرز أفكاره، ما الذي يعنيه بهذا المصطلح؟ وهل ما تزال هناك اليوم مناطق محرّمة على التفكير في مجتمعاتنا؟• صحيح، يُعدّ مصطلح «اللامفكَّر فيه» من أبرز مفاهيم محمد أركون، حيث نذكر في هذا السياق أنّ له كتاب بهذا العنوان ألفه بالإنكليزية والموسوم بـ«اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر، (The Unthought in Contemporary Islamic Thought).
ويشير المصطلح إلى كل ما حذفه الفكر الإسلامي التقليدي من دائرة اهتماماته منذ القرن الثالث عشر على الأقل.
بمعنى آخر، هناك مسائل وأفكار أصبحت خارج حدود التفكير المشروع، بحيث تقل الأشياء المسموح بالتفكير فيها كثيرا مقارنة بالأفكار التي يُستحيل التفكير فيها.
هذا الواقع يعكس، حسب أركون، تحجّر الفكر الإسلامي وانغلاقه داخل منظومة من المعتقدات الجامدة والمقدّسة، وهو ما يستدعي نقده وتحليله.
نعم فإن بعض المناطق الفكرية ما تزال محرّمة اليوم على التفكير في مجتمعاتنا، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة مجالات رئيسية:المجال العقدي والديني: على شاكلة مسائل خلق القرآن والوحي والنبوة، حيث يُتوقع قبول التفسيرات التقليدية بدون نقد، ويُعتبر الخروج عن ذلك محظورا دينيا واجتماعيا.
التفسيرات التاريخية لبعض النصوص الدينية أو إعادة قراءة السيرة النبوية في سياق نقدي، ما تزال غالبًا موضع شك أو رفض.
المجال الاجتماعي والأخلاقي: كقضايا حقوق المرأة، والمساواة، والحرية الدينية، حيث يُفرض التفسير التقليدي للشرائع الاجتماعية ويصعب إعادة التفكير فيه من دون مواجهة رفض اجتماعي أو ديني.
ومثله قضايا تعدد الزوجات أو الميراث، التي غالبا ما تُعتبر خارج دائرة النقاش النقدي في أغلب المجتمعات الإسلامية المحافظة.
المجال السياسي: كعلاقة الدين بالدولة، ومسألة العلمانية، التي ما تزال «من اللامفكَّر فيه» في الكثير من السياقات، رغم بعض المحاولات الفكرية لإعادة النظر في مفهوم الدولة الحديثة والدين.
وكذا مسألة الحرية السياسية، والحريات العامة، أو نقد بعض المؤسسات الدينية الرسمية.
بشكل عام، يسلّط أركون الضوء على ضرورة تحرير الفكر من المناطق المحرّمة، قصد خلق مجتمع أكثر مرونة وقدرة على مواجهة تحديات العصر، من فهم النصوص الدينية إلى التعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية الحديثة.
○ كيف نظر أركون إلى الثورة الجزائرية: هل تعامل معها كحدث تحرري تاريخي أم كرمز تم توظيفه سياسيا؟ ولماذا انتقد «أسطرة» الثورة؟• ينبغي الإشارة هنا إلى أنّ أركون لم يشارك في إضراب الطلبة الجزائريين سنة 1956 عندما كان طالبا في السوربون، وهي حادثة استُخدمت لاحقا من قبل بعض منتقديه للتشكيك في مدى انخراطه في الفعل الثوري، خاصة وأنّ أغلب الطلبة لبّوا آنذاك نداء جبهة التحرير الوطني.
غير أنّ أركون دافع عن موقفه في أكثر من مناسبة، مشيرا إلى حصوله على ترخيص (إجازة) من منظمة الطلبة الجزائريين التي كانت تحت إشراف أحمد طالب الإبراهيمي، وذلك رفقة الطالب علي مراد، على أن يساهم لاحقا في خدمة البلاد بعد الاستقلال من خلال العمل الفكري والمعرفي.
أمّا بخصوص نظرته إلى الثورة الجزائرية، فيمكن القول إنها نظرة مركّبة ومزدوجة، تنسجم مع منهجه النقدي العام الذي يرفض اختزال الظواهر التاريخية في بُعد واحد، كما يرفض تحويلها إلى موضوعات مقدّسة خارج دائرة التفكير التاريخي.
فمن جهة، لم يُنكر الطابع التحرّري للثورة في بعض كتاباته وحواراته، وإنما اعتبرها حدثا تاريخيا مفصليا أنهى نظام الاستعمار الفرنسي وفتح أفق السيادة الوطنية.
فالثورة، بهذا المعنى، تعبير عن إرادة جماعية للتحرر، وتملك مشروعية نضالية وتاريخية واضحة، رغم أنه في كتابات أخرى وصفها بالحرب الأهلية وبإيديولوجيا الكفاح، وهو تناقض المثقف الذي لم يجد ضالته في هذه الحرب التحريرية.
لكن، من جهة أخرى، يرى أركون أنّ الثورة، بعد الاستقلال، لم تبقَ مجرّد حدث تاريخي، بل تحوّلت إلى «رأسمال رمزي» تم توظيفه سياسيًا من قبل السلطة لإضفاء الشرعية على نفسها.
وهنا ينتقل تحليله من مستوى التاريخ إلى مستوى النقد الإيديولوجي، حيث ينتقد تحويل الثورة إلى أسطورة سياسية مغلقة في ظل الحزب الواحد أو ما يسميه الحزب-الدولة-الأمة.
وفي هذا السياق، فإنّ نقده لـ«أسطرة» الثورة لا يعني التقليل من قيمتها، وإنما يهدف إلى حمايتها من التوظيف الإيديولوجي الذي يُفرغها من بعدها التاريخي الحيّ، ويحوّلها إلى خطاب مغلق يُستخدم لتبرير سياسة السلطة.
كما يعكس هذا النقد صعوبة بناء دولة وطنية حديثة لا تزال تبحث عن شرعية تاريخية جامعة، وعن ذاكرة وطنية تستوعب تعددية المجتمع وتياراته المختلفة.
○ كيف يمكن فهم علاقة أركون بتيارات الإسلام السياسي؟ هل كان في موقع المواجهة الفكرية معها أم في موقع النقد العام للعقل الديني؟• أعتقد أنّ علاقة أركون بتيارات الإسلام السياسي يجب أن توضع ضمن مشروعه الأشمل الموسوم بنقد العقل الإسلامي ونقد العقل الديني عموما، حيث لم يكن يتعامل مع هذه التيارات بوصفها خصما سياسيا مباشرا، وإنما باعتبارها تعبيرا حديثا عن بنى فكرية أعمق متجذّرة في التاريخ الإسلامي.
فأركون لم يكن في موقع المواجهة الإيديولوجية بالمعنى الحزبي أو السياسي، ولكن في موقع النقد المعرفي الذي يسعى إلى تفكيك الأسس التي يقوم عليها الخطاب الإسلاموي، من حيث أنماط التفكير، آليات إنتاج المعنى، والعلاقة بالنص والتراث.
وعليه، فإنّ نقده لا يقتصر على تيارات الإسلام السياسي وحده، وإنما يشمل مجموع العقل الديني التقليدي أو ما يسميه بالخطاب الديني المشترك، الذي يرى أنّه يشتغل ضمن حدود مغلقة تمنع تشكّل فكر نقدي تاريخي.
كما حاول أركون تفسير ظاهرة الإسلام السياسي من خلال تحليل شروط نشأتها، مثل جمود الفكر الديني، وإغلاق باب الاجتهاد، وهيمنة القراءات الحرفية، وصدمة الحداثة، وتجربة الاستعمار، ثم إخفاق الدولة الوطنية في تحقيق التنمية والعدالة.
وفي هذا السياق، يظهر الإسلام السياسي، في نظره، كاستجابة تاريخية لأزمة فكرية عميقة، ولكن يبقى أسير نفس البنى الذهنية التقليدية التي تعيق إنتاج حداثة فكرية حقيقية، وهو ما فصّلته في كتابي «الإسلام السياسي والحركات الإسلامية عند محمد أركون».
○ ما حقيقة ما جرى في ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر سنوات الثمانينيات؟ وهل كان الخلاف بينه وبين محمد الغزالي فكريًا أم أنه أخذ أبعادًا أخرى؟• يجب التنويه أنّ ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر شهدت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين نقاشات فكرية حادّة عكست التحوّلات العميقة التي كان يعرفها الحقل الديني والفكري في العالم العربي، خاصة في ظل ما كان يعرف بالصحوة الإسلامية.
وقد كان أركون من بين الوجوه التي دُعيت بانتظام إلى هذه الملتقيات، خاصة في فترة إشراف مولود نايت بلقاسم على وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
أمّا بخصوص السجال الذي دار بين أركون ومحمد الغزالي، فإنّ الروايات حوله متباينة، سواء من حيث تفاصيله أو سياقه الزمني والمكاني، وإن كانت بعض الشهادات ترجّح وقوعه في منتصف الثمانينيات، على هامش إحدى دورات الملتقى، ويُشار أحيانا إلى سنة 1985 بفندق الأوراسي، حسب شهادة الدكتور صهيب بن شيخ الحسين الذي كان حاضرا يومها رفقة أبيه الشيخ عباس بن شيخ الحسين الذي كان عميدا لمسجد باريس في وقتها.
ويبدو أنّ محور الخلاف دار حول مقاربات أركون للقرآن ضمن مشروعه النقدي، خاصة استعماله في أحد كتبه الفرنسية (La pensée arabe) لعبارة تفيد بأنّ النص القرآني يتضمن «بنية ميثية»، (structure mythique)، وقد أُثيرت حساسية هذا التعبير عند نقله إلى العربية من قبل المترجم عادل العوا، حيث فُهمت «الأسطورة» بمعناها الشائع المرتبط بالخرافة، في حين أنّ أركون كان يوظّفها في سياق أنثروبولوجي-رمزي، قريب من معنى «البنية السردية المؤسسة» لا بمعنى التخييل الباطل، وهذا ما أدى بأركون منذ هذه الحادثة إلى تفضيل مصطلح «القصص» للتعبير عن قصص الأولين من الأنبياء والصالحين في القرآن.
هذا التباين في الخلفيات المعرفية والاصطلاحية أسهم في تأجيج الخلاف، حيث مثّل أركون توجّهًا نقديا تاريخيا يسعى إلى إخضاع النص الديني لأدوات العلوم الإنسانية، في حين دافع محمد الغزالي عن مقاربة إصلاحية داخل المرجعية الإسلامية التقليدية، تتحفّظ على مثل هذه المناهج.
كما يُنقل عن أركون أنه استعمل في إحدى مداخلاته تعبيرا مجازيا عن الحادثة حيث أشار إليها بأن الغزالي (m’a excommunié)، وهو تعبير ذو حمولة كنسية، وقد أُوِّل بطرق مختلفة عند ترجمته إلى العربية، بين الطرد من القاعة والتكفير، ما زاد من تضخيم صورة الخلاف.
وبناء على ذلك، يمكن القول إنّ الخلاف بين الرجلين كان في جوهره فكريا ومنهجيا، يتعلق بطبيعة التعامل مع النص الديني وأدوات قراءته، غير أنّه اكتسب، في سياق الملتقيات وطبيعة جمهورها، أبعادا رمزية وإعلامية، جعلته يبدو أحيانا كصراع شخصي أو عقدي، وهو ما يصعب الجزم به بشكل قاطع في ظل تضارب الروايات.
○ كيف كانت صورة أركون في فرنسا والجامعات الغربية؟ وهل اعتبره المستشرقون امتدادًا لهم أم ناقدًا لمقارباتهم؟• في اعتقادي، تتّسم صورة أركون في فرنسا والجامعات الغربية بطابع مركّب؛ إذ كان حاضرا بقوة داخل الحقل الأكاديمي الغربي، وفي الوقت نفسه ناقدا لبعض أسسه المنهجية والمعرفية.
فمن جهة، يُعدّ أركون من الأسماء البارزة في الدراسات الإسلامية الحديثة، حيث درّس في مؤسسات مرموقة مثل جامعة السوربون، كما دُعي إلى العديد من الجامعات الأوروبية والأمريكية لإلقاء محاضرات حول الفكر الإسلامي.
وقد حظي بتقدير شريحة من الباحثين بفضل مشروعه المعروف بـ«الإسلاميات التطبيقية»، الذي سعى من خلاله إلى إدماج مناهج العلوم الإنسانية (كالأنثروبولوجيا واللسانيات والتاريخ النقدي والبنيوية ومدرسة الحوليات) في دراسة الإسلام.
لكن، من جهة أخرى، لم يكن أركون مجرّد امتداد للاستشراق الكلاسيكي، بل كان ناقدا له.
فقد انتقد ما اعتبره اختزالا للنصوص الإسلامية في مقاربات لغوية-فيلولوجية، داعيا إلى تجاوز هذا الأفق نحو دراسة أوسع تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الرمزية والتاريخية والاجتماعية للنصوص.
هذا الموقف النقدي جعله أحيانًا في موقع توتر مع بعض التيارات الاستشراقية التقليدية، من دون أن يعني ذلك رفضا مطلقا له داخل الجامعات الغربية، بل بالعكس، كان يُنظر إليه بوصفه صوتا تجديديا من داخل الحقل نفسه.
وفي السياق الفرنسي تحديدا، وسّع أركون دائرة نقده لتشمل بعض تمثّلات العلمانية الفرنسية، حيث رأى أنّها تميل، في بعض صيغها، إلى إقصاء الدين من الفضاء العمومي ومن مجالات التفكير العلمي، بدل التعامل معه كظاهرة إنسانية قابلة للدراسة النقدية.
وقد أثار هذا الموقف نقاشات داخل الأوساط الفكرية، خاصة في قضايا حساسة مثل حدود حرية التعبير واحترام المعتقدات (كما في الجدل الذي رافق الآيات الشيطانية).
وبناء على ذلك، يمكن القول إنّ أركون لم يُعتبر امتدادا بسيطا للمستشرقين، ولا خصما خارجيا لهم، وإنما مثّل موقعا وسيطا، باحثا مندمجا في الأكاديمية الغربية، لكنه في الآن نفسه ناقد لمقارباتها التقليدية، ساعيا إلى إعادة بناء الدراسات الإسلامية على أسس أكثر انفتاحا وتعدّدا.
○ في ضوء ما يجري اليوم، ما الذي يمكن أن يقدمه فكر أركون لفهم أزمات العلاقة بين الدين والسياسة والحداثة في العالم العربي؟• أرى أنّ إسهام محمد أركون لا يقتصر على فهم أزمات العالم العربي فقط، وإنما يمتد ليشمل مجمل الفضاء الإسلامي، حيث تتداخل أزمات الدين والسياسة والحداثة بشكل معقد ومركّب.
فالأزمات الراهنة، سواء في دول مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن والسودان ولبنان والصومال، أو في مناطق أخرى كالساحل الأفريقي وشمال نيجيريا وأفغانستان وباكستان، لا يمكن اختزالها في صراعات سياسية أو دينية وطائفية منفصلة، وإنما هي تعبير عن اختلال عميق في أنماط التفكير وفي بنية العلاقة بين المقدّس والتاريخي.
في هذا السياق، يقدّم فكر أركون أدوات تحليلية حاسمة، يمكن إجمالها في ثلاثة مستويات:أولا: يدعو إلى تفكيك اللامفكر فيه، وذلك عن طريق كشف المناطق التي تمّ إخراجها من دائرة التفكير النقدي داخل التراث الإسلامي، سواء بفعل السلطة السياسية أو الدينية.
هذا «اللامفكَّر فيه» يشمل كما سبق ذكره سابقا، قضايا مثل طبيعة السلطة، وحدود التأويل، والعلاقة بين النص والتاريخ.
ومن دون إعادة فتح هذه الملفات، تظل المجتمعات أسيرة قراءات مغلقة تعيد إنتاج الصراع؛ثانيا: نقد تسييس الدين وأدلجة المقدس، حيث يبرز أركون كيف تحوّل الدين في السياقات المعاصرة إلى أداة للصراع السياسي، سواء من قبل الأنظمة أو الحركات الإسلامية.
وهنا يميّز بين الدين كخبرة روحية مفتوحة، وبين توظيفه الإيديولوجي الذي يحوّله إلى أداة إقصاء وعنف رمزي.
هذا التحليل يساعد على فهم كثير من الصراعات التي تتخذ طابعا دينيا بينما هي في جوهرها صراعات على السلطة؛ثالثا: إعادة التفكير في الحداثة؛ فأركون لا يدعو إلى استنساخ النموذج الغربي كما يعتقد البعض، وإنما إلى إدماج نقدي لمكتسبات الحداثة، خاصة ما يتعلق بالعقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ضمن أفق ثقافي إسلامي منفتح.
وهو يرى أن أزمة العالم الإسلامي ليست في رفض الحداثة فقط، بل في غياب مشروع فكري قادر على تأصيلها نقديا.
وعليه، فإن القيمة الراهنة لفكر أركون تكمن في كونه يفتح أفقًا جديدًا للتفكير، قائمًا على تجاوز الثنائيات المغلقة (دين/دولة، تراث/حداثة، أصالة/معاصرة، مؤمن/مواطن)، والعمل على بناء مقاربة تاريخية نقدية تُعيد وصل ما انقطع بين الفكر الإسلامي ومسار الفكر الإنساني العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك