رواية" أشواك حديقة تورينغ" (دار نوفل، بيروت، 2026) للكاتبة اللبنانية رنا حايك، قد تشعر بأنها رواية أفكار، وليس هذا الشعور هراء.
إنه بالتأكيد أول ما يخطر لقارئ الرواية التي تتوزّع على مذكرات يارا وعلياء، وهما زميلتان مختلفتان إلى درجة التضاد، وللاختلاف أساس فكري بالدرجة الأولى.
أساس فكري، لكنّه يشمل المزاج والشخصية.
نحن تكلمنا عن أفكار، فلأننا نتكلم عن الشخصية، التي هي ليست فقط مبنية على أفكار.
بل لأن هذه الأفكار ليست أفكاراً فحسب.
إنها بالقياس لصاحبتيها عنوانٌ للحياة الشخصية بكاملها.
لسنا نجد في يارا فقط أفكاراً عن العاطفة والإحساس في توترهما وقلقهما، وبخاصة تجاه الذات والآخرين.
لا نجد فقط نفورها من التجميل، ونقدها للمدن الحديثة وللحداثة في كلّيتها.
كلّ هذا بطبيعة الحال، ليس يارا وحدها، إنه لشخصيات كثيرة مثلها.
بل هي، إذا شئنا أن نبحث، نمط لبناني وعالمي، بل إن الرواية لم تكن لولا أنها بيارا وعلياء، تقدّم نمطين، الاختلاف بينهما مدار الرواية.
نمطان ليسا لبنانيين خالصين فهما منشوران في العالم، لكن لهما مع ذلك خصوصية لبنانية.
يارا، ما دمنا إزاءها، هي صورة لبنانية، إذا جاز القول، لليسار الإيكولوجي.
اليسار الذي هو وريث حقبة ليسار ظهر في الثلث الأخير من القرن الماضي متأثراً بالماركسية الأوروبية، ليس وريثاً فقط له ولكنه ما بعده.
إنه ما بعده في نسخة لبنانية تجمع الكثير من مواصفات عالمية، لكنها تركز أكثر على مواصفات ذات مقبولية لبنانية، بل هي، وبالدرجة نفسها، ذات طابع شخصي.
لسنا بسهولة نتكلم عن باريس بالطريقة التي تكلمت بها عنها، وأن نقول إنها ومعها كلّ العواصم الأوروبية، فباريس مثالُها ولم تستحضر إلا لهذه الغاية.
إنها لذلك مدينة مقبضة والناس فيها ليسوا سعداء.
ما كانت كذلك لولا أننا نراها من بلاد أُخرى، ومن ثقافة أُخرى بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة.
مهما كانت تلك الخاصية باهتة وبعيدة، لكن لا بد من أن التركيز على كآبة الغربيّين له هذا الطابع، وأن تكون الفكرة ذاتها ليست من ابتكاراتنا ووصلتنا من أماكن أُخرى.
لربّما نرى في النفور من التجميل نفس هذا المرجع.
كما أن في هذا الالتباس بالآخرين والامتثال والتواضع لها عند يارا، ما يمكن القول إنه ليس من عندياتنا.
وله بالطبع تاريخ آخر ومصادر أُخرى، لكننا نرى في تبنّيه والإلحاح عليه ذات الطبيعة القريبة منّا.
لا بدّ من أن نمط يارا عالمي، لكن لبنانيته وربما عربيته وشرقيته بمعنى الشغف والتبني، ظاهرتان.
تمثل شخصيتا الرواية صراعاً بين المحلي والعالمي في لبنانهناك إذن نمط لبناني في يارا وكذلك في علياء.
يمكن القول إن يارا هي الأقرب إلى أن تكون نمطاً لبنانياً وعالمياً، إن عالميتها بقدر ما هي لبنانيتها، أصرح وأكثر تحقيقاً ووضوحاً.
إذا جاز أن نجد في الاثنتين تمثيلاً لبنانياً، أو تمثيلاً مثقفاً، فإن يارا هي بالتأكيد المقصودة.
بل لو حاولنا أن نجد فيهما الأكثر تمثيلاً للمثقفين والنمط الثقافي، لكانت يارا هي الأصل، بل الأكثر أصالة.
لكن الأُخرى علياء تشبه اسمها الذي لم يكن، في الغالب، عفواً.
إنها شخصية أكثر عمومية وربما أكثر محلّية، كما أنها تشكل مقابل يارا نمطاً مقابلاً، مع ذلك لا يبدو أن رنا أرادت من علياء أن تكون نمطاً بالدرجة نفسها.
علياء التي هي ضد يارا، في ضعفها وقلقها وانشغالها بالآخرين، غير مهتمة إلا بنفسها، تريد أن تكون الأعلى والأقوى، وتريد الآخرين خدماً وعبيداً.
تنادي وسيطها للذكاء الاصطناعي" عبودي".
إنها بالطبع لا مبالية بالآخرين الذين لا يشكّلون، بالنسبة لها، همّاً، وعلاقتها بهم لا تخلقها ولا تؤثر فيها.
إذا كنّا وجدنا سلفاً أو أسلافاً غربيين ليارا، فإننا لن نجد أسلافاً ثقافيين لعلياء، التي لا تقرأ ولا تحترم القرّاء.
لن نجد بالطبع نيتشه في احتقارها للضعف وتغنّيها بالقوة.
إنها نموذج إذا شئنا أن نجد مثاله عندنا، سنجده في ظروف سياسية وطبقية، في زعماء السياسيين وفي الأمناء العامين للأحزاب.
لا نفتش بالطبع عنهم عند نيتشه.
نحن أمام نموذج مرضيّ أو متزعّم سياسي، نموذج نجده عندنا، وقد خلقته الكاتبة في ضدّية ليارا التي هي في الغالب الأساس.
مساءلة حدود التكنولوجيا أمام تعقيد الطبيعة الإنسانيةيتدخل الذكاء الاصطناعي لكن كلاعب.
إن كفاءته وربما منافسته للإنسان هما اللذان يغريانه باللعب.
إنه يلعب بالبشر بدون أي غرض سوى ذلك.
اللعبة هي أن يُبادل يارا بعلياء وعلياء بيارا.
ينجح التبادل وتغدو كلّ منهما الأُخرى لكن هذا لا ينجح.
كلّ منهما لا تملك أن تلعب بسهولة شخصية الآخر، كلّ منهما لا تلبث أن تعاني هذا التغير الذي احتفت به في البداية.
هنا تتوقف الرواية، ولا أقول تنتهي.
إنها لا تجزم بنتيجة لهذه المباراة بين الآلة والإنسان، لكن الآلة لا تربح.
يبقى الصراع معلّقاً.
لأن طبع الإنسان لا يخضع بالكامل للعب، إنّ له جوهراً لا تمكن مصادرته.
لنقُل إن الرواية بذلك لا تغترّ نهائياً بالتطور التكنولوجي، إنها بسلاسة وبدون حماس وبدون موعظة أو ارتجاز، تتوقف هنا في السجال.
لا تحسن لأنها لا تبشّر بانتصار الآلة، ولا تستعجل النذير بهزيمة الإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك