تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ترجمت ما يشهده العالم خلال العقود الأخيرة من تحول واضح في مفهوم التسلح، حيث لم يعد السباق قائمًا فقط على زيادة الكميات، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بالكفاءة والتكلفة الاقتصادية، وهو ما انعكس حتى على سياسات القوى الكبرى.
فرغم أن الدول لا تزال تخصص نسبًا ضخمة من ناتجها القومي للإنفاق العسكري، لكن آلية الإنفاق تبدلت بصورة كاملة 180 درجة، لاختيار القطع الأقل كلفة، للحماية من الأعباء الضخمة على الاقتصاد الوطني، وبات التوجه الحديث يعتمد على إعادة تقييم أولويات الإنفاق، خاصة مع تنامي تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية.
فلم يعد التسلح مجرد استعراض للقوة العسكرية، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في البنية الاقتصادية للدول، حيث تؤدي نفقات الحروب الكبيرة والتوسع العسكري إلى ضغوط على الميزانيات، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تبني استراتيجيات أكثر توازنًا بين الأمن والتنمية.
يرى لواء أ.
ح/ أحمد يسرى محمد مستشار بكلية الدفاع الوطنى - الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية، أن العالم يشهد تحولًا من" اقتصاد الحرب" إلى" اقتصاد الردع الذكي"، موضحًا أن: " الدول لم تعد بحاجة إلى امتلاك أكبر عدد من الأسلحة، بل إلى امتلاك القدرة على استخدامها بكفاءة تحقق الردع بأقل تكلفة ممكنة.
ونري كيف أن إيران قد نجحت في استهداف مدن إسرائيلية بالصواريخ الباليستية، لكنها أيضًا استخدمت أدوات معلوماتية وأذرعها في المنطقة لإحداث التأثير".
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«بوابة الأهرام»، «أن التوسع غير المدروس في الإنفاق العسكري قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد، خاصة في ظل الأزمات العالمية، وهو ما يدفع الدول لإعادة هيكلة إستراتيجياتها الدفاعية، فما رأيناه من تكلفة الحرب علي الولايات المتحدة باقتصادها القوي، تجاوزت تكلفة استهداف إيران 30 مليار دولار»، قفز سعر جالون البنزين في الولايات لأكثر من 4.
5 دولار مسبباً خنقاً اقتصادياً واجتماعياً في الداخل.
وبالتالي الحروب الحديثة أثبتت أن التكنولوجيا والتخطيط أصبحا أكثر أهمية من الكم، وهو ما يفسر اتجاه الدول نحو الاستثمار في:* الصناعات الدفاعية المحلية* تقليل الفاقد في المواردكما أدى ارتفاع تكلفة الأسلحة المتطورة إلى تغيير فلسفة التسليح، حيث أصبحت الدول تعتمد على:* تقنيات عالية الكفاءة بدلًا من الكثافة العددية* أنظمة تسليح دقيقة تحقق الردع بأقل تكلفة* تطوير الصناعات العسكرية محليًا لتقليل الاعتماد الخارجيوفي هذا السياق، يؤكد اللواء أحمد يسري، أن تصنيف مكانة الدول عسكريًا، لم يعد يعتمد فقط على المعلن الذي تسجله مواقع التسليح العالمية بسبب ما تمتلكه من قطع لتحدد كونها «قوة عظمى» أو «قوة كبرى»، بل ظهر مفهوم «القوى المتوسطة» التي تسعى لتحقيق توازن استراتيجي من خلال استخدام مواردها بكفاءة دون الانخراط في سباقات تسلح مرهقة اقتصاديًا.
ويظل الدرس الأهم في هذا الاطار، وفقًا للخبير العسكري، ما نجحت مصر في تحقيقه في حرب أكتوبر 73، فوفقًا لحسابات امتلاك القوة العسكرية المعلنة والمقارنة العددية والنوعية للسلاح، كان العدو كفته راجحة، لكن استخدام القوات المسلحة المصرية لفكر جديد، وتطوير لكفاءة استخدام السلاح أدي لتفوق نوعي مصري، مثل استخدام الصواريخ الخفيفة المحمولة كتفا" RBG" لاستهداف الدبابات ومنعها من التقدم.
وأصبح التسلح في العصر الحديث جزءًا من معادلة اقتصادية معقدة، حيث تسعى الدول لتحقيق توازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
ومع استمرار ارتفاع تكلفة التكنولوجيا العسكرية، من المتوقع أن يتزايد الاعتماد على" الردع الذكي" بدلًا من سباقات التسلح التقليدية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك