بقلم هبة الله الزاهد، باحثة ما بعد الدكتوراه بمعهد الدراسات الدولية والإقليمية، جامعة سون يات سين، جوهاي، الصينفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التحضر والتنمية الاقتصادية، تبرز بعض المدن كنماذج ملهمة تعكس قدرة السياسات العامة على إعادة تشكيل المجال الحضري بطريقة متوازنة ومستدامة.
ومن بين هذه النماذج، تبرز مدينة جوهاي، الواقعة جنوب الصين وعلى ضفاف بحر الصين الجنوبي، كحالة فريدة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، والانفتاح الاقتصادي، والحفاظ على الهوية الثقافية والبيئية.
لم تكن جوهاي دائمًا بهذا الزخم الحضري والاقتصادي.
فمنذ تأسيسها كمدينة حديثة سنة 1979، ثم إعلانها منطقة اقتصادية خاصة سنة 1980، دخلت في مسار تنموي تدريجي قائم على رؤية واضحة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
وقد تجسد هذا التوجه في اعتماد مبدأ “الأولوية للإيكولوجيا”، الذي أصبح ركيزة أساسية في مختلف مراحل التخطيط الحضري للمدينة على مدى أكثر من أربعة عقود.
تُظهر الزيارة الميدانية للمدينة كيف تم ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
فقد اعتمدت جوهاي نموذجًا مرحليًا في التخطيط، بدأ بمرحلة استكشافية ركزت على جذب الاستثمارات الخارجية وتطوير اقتصاد منفتح، ثم انتقلت إلى مرحلة التوسع الصناعي والعمراني، قبل أن تستقر على نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على تعددية المراكز الحضرية وتكاملها.
هذا التحول يعكس قدرة صناع القرار على التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع الحفاظ على اتساق الرؤية العامة.
ومن أبرز ما يميز تجربة جوهاي هو الاستثمار المكثف في البنية التحتية، ليس فقط كوسيلة للنقل، بل كأداة استراتيجية لتعزيز التكامل الإقليمي.
ويبرز هنا نموذج “1-3-12 ساعة”، الذي يجعل من المدينة نقطة اتصال محورية: ساعة واحدة للوصول إلى مدن منطقة الخليج الكبرى، ثلاث ساعات إلى أهم المدن الصينية، واثنتا عشرة ساعة إلى أبرز المدن العالمية.
هذا المستوى من الربط لا يعزز فقط حركة الأفراد، بل يسهل أيضًا اندماج المدينة في سلاسل القيمة العالمية.
يُعد جسر هونغ كونغ– جوهاي –ماكاو أحد أبرز تجليات هذا التوجه، حيث لا يمثل فقط إنجازًا هندسيًا ضخمًا، بل يعكس رؤية سياسية واقتصادية قائمة على التكامل الإقليمي وتعزيز الترابط بين مختلف الفضاءات الاقتصادية.
غير أن التحول الحضري في جوهاي لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والبنية التحتية، بل يشمل أيضًا بعدًا ثقافيًا عميقًا.
فالمدينة تحتفظ بتراث غني يعكس تفاعلها التاريخي مع العالم الخارجي، سواء من خلال القرى التقليدية ذات الطابع اللينغناني، أو من خلال الشخصيات التاريخية التي ساهمت في ربط الصين بالعالم، مثل رواد التعليم والتجارة والانفتاح.
كما أن البعد البحري يشكل عنصرًا أساسيًا في هوية المدينة، فمساحة جوهاي البحرية تفوق مساحتها البرية، وتضم عددًا كبيرًا من الجزر التي تتميز بتنوعها البيئي والجغرافي.
وقد تم توظيف هذه الجزر ليس فقط في السياحة، بل أيضًا في تطوير الاقتصاد الأزرق، وتعزيز الوعي البيئي، والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وتكشف الزيارة الميدانية أيضًا عن اهتمام خاص بالسياحة المستدامة، حيث تم تطوير عدد من الجزر لتصبح وجهات سياحية متكاملة تجمع بين الطبيعة والبنية التحتية الحديثة، مع الحفاظ على الطابع البيئي والثقافي.
كما يظهر بوضوح كيف يتم دمج الفضاءات الثقافية والتاريخية ضمن الرؤية الحضرية الشاملة، حيث تم تصنيف عدد من الأحياء والقرى كمناطق ذات قيمة ثقافية، مع الحفاظ على طابعها المعماري التقليدي، خاصة في مناطق مثل تانغجياوان، التي تُعد من أبرز مراكز الثقافة اللينغنانية.
إن هذا التكامل بين الاقتصاد، والبنية التحتية، والثقافة، والبيئة، يجعل من تجربة جوهاي نموذجًا متقدمًا في التخطيط الحضري المعاصر.
وهي تجربة لا تقوم فقط على النمو الكمي، بل على جودة التنمية واستدامتها.
وفي هذا السياق، تفتح تجربة جوهاي آفاقًا مهمة للتفكير في مسارات التنمية الحضرية في دول أخرى، بما في ذلك المغرب.
فمع الدينامية التي تعرفها المدن المغربية، خاصة الساحلية منها، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربات أكثر تكاملاً تقوم على التخطيط بعيد المدى، وتعزيز الربط بين البنية التحتية والرؤية الاقتصادية، مع الحفاظ على التوازن البيئي والثقافي.
كما أن تجربة جوهاي في تطوير مناطق اقتصادية خاصة، وربطها بشبكات نقل متقدمة، يمكن أن تقدم دروسًا مهمة في كيفية جذب الاستثمارات وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي، دون إغفال الخصوصيات المحلية.
في النهاية، لا تمثل جوهاي مجرد تجربة محلية ناجحة، بل تعكس تحولًا أوسع في كيفية تصور المدن في القرن الحادي والعشرين، مدن قادرة على الجمع بين الانفتاح والاستدامة، بين الحداثة والحفاظ على الهوية، وبين النمو الاقتصادي وجودة الحياة.
وهو نموذج يستحق الدراسة، وربما التكييف، في سياقات أخرى تبحث عن مسارات تنموية متوازنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك