ما أقسى أن تمتد يدك يومًا لتطرق بابًا ظننته لك، فيُفتح عليك بوجه لا تعرفه، وما أوجع أن تنادي باسم حفظه قلبك قبل لسانك فلا يرد عليك إلا صدى الغربة.
كنا نظن في بساطة البدايات أن الدم عهد لا يُنقض، وأن القربى حصن لا يُهدم، وأن الذين تشاركنا معهم الاسم والملامح والذكريات هم أولى الناس بنا حين تضيق الدنيا، لكن الحياة، تلك المعلمة القاسية، كثيرًا ما تسقط عنا هذه الأوهام في لحظة واحدة.
فإذا بالقريب غريب، وإذا بالدم، الذي كان يُفترض أن يكون نهر دفء، يتحول أحيانًا إلى ماء بارد لا يروي عطش الروح.
ليس الألم في البعد، بل في القرب الذي فقد معناه، وليس في الغياب، بل في الحضور الخالي من الرحمة.
أن يكون هناك من يفترض أنه لك، ثم لا يكون، تلك هي الفاجعة التي لا يُجيد القلب التعايش معها بسهولة.
وما أعجب هذه الحياة، تسلبك من ظننتهم سندًا، ثم تهديك من لم يخطروا لك على بال؛ غرباء لا يجمعك بهم نسب ولا تاريخ، لكنهم يمنحونك ما حُرمت منه: كلمة طيبة في وقت الانكسار، ويدًا تربت على قلبك لا على كتفك فقط، وصدقًا لا يعرف الحسابات.
حينها فقط تدرك الحقيقة التي لم نُربَّ عليها، أن الأهل ليسوا دائمًا من وُلدوا معنا، بل من احتوونا حين تكسّرنا، وأن القرابة ليست شجرة نسب، بل شجرة مواقف تُسقى بالحب وتُثمر وفاءً.
غريب صار وطنًا، وقريب صار منفى.
ولا يعني ذلك أن الخير انقطع، أو أن القلوب جميعها قد قست، لكنها دعوة لأن نعيد تعريف الأشياء، وأن نمنح الحب لمن يستحقه لا لمن فُرض علينا، وأن نخفف انتظارنا من أقارب اختاروا الغياب، ونفتح نوافذنا لأولئك الذين اختاروا البقاء.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في طرق أبواب مغلقة، وأكرم من أن نحيا فيها بلا دفء حقيقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك