في مشهد قد يبدو ثابتا للعين المجردة، تخفي السماء الليلية نظاما ديناميكيا معقدا تحكمه حركة الأرض في الفضاء.
فبينما تبقى بعض الكوكبات مرئية طوال العام، تختفي أخرى وتعود مع تغير الفصول، في ظاهرة طالما أثارت فضول البشر، من الملاحة القديمة إلى علم الفلك الحديث.
حركة الأرض.
المحرك الخفي لتبدل المشهد السماوييرجع السبب الرئيسي لاختلاف ظهور الكوكبات إلى تضافر حركتين للأرض هما دورانها حول محورها (الذي يصنع الليل والنهار)، ودورانها السنوي حول الشمس الذي تتعاقب بسببه الفصول.
فعندما تدور الأرض حول نفسها، نرى النجوم تتحرك ظاهريا من الشرق إلى الغرب خلال ليلة واحدة.
لكن اللغز الأكبر يكمن في الرحلة السنوية؛ فمع دوران الأرض حول الشمس، يتغير اتجاه" الجانب الليلي" من كوكبنا نحو أجزاء مختلفة من الفضاء السحيق.
list 1 of 2لأول مرة.
رسم خريطة الحقول المغناطيسية للجانب البعيد من الشمس دون رؤيتهlist 2 of 2بعد التحاق الأردن بها.
تعرف على معاهدة أرتميس للفضاءوبحسب الفلكي لؤي حمزة -عضو الجمعية الفلكية السورية- فإننا في كل فصل، نطل من نافذة مختلفة؛ فما كان مرئيا في الشتاء يصبح محجوبا خلف وهج الشمس في الصيف، مما يجعل السماء" تقويما كونيا" يتغير مع كل شهر.
ومن المهم أن نعلم أن ليلة واحدة كافية لأن تُرينا قرابة 90% من نجوم السماء عدا تلك المحجوبة بوهج الشمس والتي تتغير تبعا للشهر وللبرج الذي تقع فيه الشمس.
كوكبات موسمية وأخرى دائمة.
من" الجبار" إلى" نجم القطب"تُعدّ كوكبة الجوزاء (الجبار) (Orion) المثال الأشهر للكوكبات الموسمية؛ فهي تتلألأ في شتاء نصف الكرة الشمالي، لكنها تختفي صيفا لأنها تصبح في جهة الشمس تماما.
في المقابل، يفعل برج العقرب العكس تماما، فهو يظهر في سماء الصيف والخريف، ويختفي من سماء الشتاء والربيع.
لكن ثمة كوكبات قطبية تُدعى الكوكبات أبدية الظهور (Circumpolar Constellations)، وهي النجوم التي تقع بالقرب من أقطاب السماء، ولا تغيب تحت الأفق أبدا.
ويعتمد ظهورها على خط عرض المكان الذي يسكن فيه الشخص.
هذه النجوم، كما يقول لؤي حمزة، مثل" نجم القطب" (Polaris) ومجموعة" الدب الأكبر"، لا تغيب أبدا عن سماء المناطق الشمالية لأنها تدور في دوائر ضيقة فوق القطب، فلا تهبط تحت الأفق.
وفي النصف الجنوبي، تلعب كوكبة" الصليب الجنوبي" الدور ذاته، حيث تظل رفيقة دائمة لسكان ذلك الجزء من العالم، ترشد إلى مواقع الملاحة والاتجاهات لآلاف السنين.
الموقع الجغرافي.
لماذا تختلف سماء" دمشق" عن سماء" سيدني"؟لا يرى جميع سكان الأرض السماء نفسها في اللحظة ذاتها؛ فالموقع الجغرافي للراصد يصنع الفارق الجوهري.
فسكان النصف الشمالي يرون كوكبات تقع فوق خط الاستواء السماوي، بينما يحظى سكان النصف الجنوبي برؤية كنوز سماوية مختلفة تماما.
ففي الوقت الذي يرى فيه أهل دمشق والمدن العربية وغيرها من بلدان الشمال كوكبة الدب الأكبر وذات الكرسي، يرى أهل سيدني ومدن إندونيسيا الجنوبية ونيوزيلندا سحابتَي ماجلان اللتين لا تُريان أبدا من جميع الدول العربية.
هذا التباين، يضيف لؤي حمزة، هو ما دفع" الاتحاد الفلكي الدولي" إلى تعريف 88 كوكبة رسمية، ورسم خرائط دقيقة لها.
واليوم، تتيح التطبيقات الرقمية مثل" ستيلاريوم" (Stellarium) للهواة محاكاة هذه الحركة وتحديد مواقع الكوكبات بدقة متناهية بناء على إحداثياتهم الجغرافية والزمنية.
ترنح الأرض.
عندما تتغير" البوصلة السماوية" عبر الزمنالمعلومة الأكثر إثارة للمهتمين هي أن السماء ليست ثابتة حتى على المدى الطويل، فالأرض تعاني من تمايل طفيف في محورها يُعرف بـ" الترنح" (Precession)، وهو ما يشبه تمايل" البلبل" أثناء دورانه.
هذا التمايل يؤدي إلى تغير مواقع النجوم ببطء شديد عبر آلاف السنين.
تاريخيا، لم يكن" نجم القطب" الحالي هو الدليل دائما؛ ففي عام 2500 قبل الميلاد، كان نجم" الثعبان" (Thuban) في كوكبة التنين هو الذي يحتل هذا الموقع.
وبسبب هذا الترنح، يتوقع العلماء أنه بعد 5000 عام، سنحظى بنجم شمالي جديد تماما، مما يثبت أن حتى الثوابت السماوية تخضع لقانون التغيير الكوني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك