تتصاعد في واشنطن تساؤلات حول مستقبل استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع اقتراب كيفن وارش من خلافة جيروم باول في رئاسة البنك المركزي الأميركي، بعد تراجع وزارة العدل عن تحقيق جنائي أثار جدلا واسعا بشأن دوافعه السياسية.
وبحسب مجلة الإيكونوميست، فإن الرئيس دونالد ترامب، الذي يرى أن أسعار الفائدة مرتفعة للغاية، مارس خلال ولايته الثانية ضغوطا غير معتادة على المؤسسة النقدية، شملت دعاوى قضائية، وانتقادات متكررة لباول، ومحاولة الضغط عليه عبر تحقيق جنائي وصف بأنه غير مبرر.
ووفقا لتحليل نشرته المجلة، أمس الأحد، لم تحقق هذه الضغوط النتيجة التي أرادها ترامب، بل ساهمت في تقوية موقف المدافعين عن استقلال البنك المركزي.
فقد واجهت الإدارة قيودا قضائية وسياسية، من بينها اعتراضات داخل مجلس الشيوخ، وتحركات قانونية حدت من قدرة البيت الأبيض على دفع باول إلى الاستقالة أو إضعاف موقعه.
وأوضحت المجلة أن الأسواق أصبحت أقل تأثرا بهجمات ترامب المتكررة على البنك، بعدما بدا أن المؤسسات القضائية والتشريعية لا تزال قادرة على كبح محاولات التدخل المباشر في السياسة النقدية.
وصباح غد الثلاثاء، سيجتمع المحافظون السبعة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، إلى جانب رؤساء البنوك الاحتياطية الإقليمية الاثني عشر، في مقر البنك في منطقة فوغي بوتوم، لمناقشة أوضاع الاقتصاد واتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة.
ومنذ إنشاء الكونغرس للبنك المركزي عام 1913، عقدت هذه الاجتماعات في أوقات الحروب والتضخم المرتفع والأوبئة، لكن لم تعقد في ظروف مماثلة لما يحدث الآن، بحسب صحيفة" نيويوركر".
ومن المقرر أن يكون هذا الاجتماع الأخير الذي يترأسه جيروم باول، الذي تنتهي ولايته الشهر المقبل.
وتتركز المخاوف الآن حول ما إذا كان وورش، المرشح لخلافة باول، سيقود المؤسسة النقدية باتجاه أكثر قربا من أجندة ترامب.
وبحسب الإيكونوميست، حصل وورش على الترشيح بعد تخليه عن مواقف سابقة عرفت بتشددها تجاه التضخم، وتبنيه خطابا أكثر انسجاما مع رغبة الإدارة في خفض أسعار الفائدة.
وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ في 21 إبريل/نيسان الجاري، تجنب وورش التصريح المباشر بأن ترامب خسر انتخابات 2020، كما دعا إلى تغيير في نهج السياسة داخل البنك المركزي، وهي عبارة أثارت مخاوف من احتمال استهداف قيادات المؤسسة أو تغيير طريقة عملها.
غير أن وورش حاول، بحسب المجلة، طمأنة أعضاء مجلس الشيوخ بأن مقصده هو تغيير نهج السياسة لا تغيير الأشخاص.
فقد نفى أن يكون حديثه عن التغيير يعني إقالة رؤساء الفروع الإقليمية الذين يشاركون في قرارات السياسة النقدية.
وأشارت المجلة إلى أن الكثير من مقترحاته يبدو فنياً ومحدوداً، مثل انتقاده اعتماد البنك على مقياس التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، ودعوته إلى استخدام مقاييس بديلة تستبعد أكبر التحركات السعرية صعودا وهبوطا.
لكن هذه المؤشرات، في معظم الفترات، لا تختلف كثيرا عن المؤشرات المعتمدة حاليا.
وتشير الإيكونوميست إلى أن بعض أفكار وورش الأخرى قد لا تحدث تغييرا فعليا، لأنها تتعلق بقضايا سبق أن تراجع البنك عنها، مثل الابتعاد عن ملفات المناخ والعدالة الاجتماعية، أو تضييق تفسير مهمة دعم التوظيف التي توسع استخدامها خلال جائحة كورونا.
أما المقترحان الأكثر أهمية فيتمثلان في تقليص ميزانية البنك، التي تبلغ نحو 7 تريليونات دولار، وتقليل الاعتماد على التوجيه المستقبلي للأسواق بشأن مسار السياسة النقدية.
لكن تنفيذ هذين التوجهين لا يملك وورش صلاحية فرضهما منفردا، لأن القرارات الكبرى تتطلب أغلبية داخل مجلس المحافظين ولجنة السياسة النقدية.
وقال المحلل الاقتصادي جون كاسيدي في مقال نشرته صحيفة" نيويوركر"، اليوم الاثنين، إن باول لم يكن يستطيع مواجهة رئيس ذي نزعة سلطوية بمفرده، بل احتاج إلى دعم المحاكم والكونغرس.
وأشار إلى أن باول رفض الخضوع لتحقيق استهدفه شخصيا على خلفية تجاوزات في تكاليف تجديد مقر البنك، مؤكدا أن الخدمة العامة قد تتطلب أحيانا الصمود أمام التهديدات.
وأضاف كاسيدي: " ألغى قاض اتحادي في مارس/آذار الماضي مذكرتي استدعاء وجهتا إلى البنك"، معتبرا أن الغرض الأساسي منهما كان الضغط على باول حتى يخضع للرئيس أو يستقيل.
كما واجهت إدارة ترامب انتكاسة أخرى عندما حاولت إقالة ليزا كوك، عضو مجلس المحافظين، على خلفية اتهامات عقارية، قبل أن توقف المحكمة القرار مؤقتا.
ويرى كاسيدي أن هذه الوقائع أظهرت أن استقلال البنك لا يعتمد فقط على رئيسه، بل على وجود مؤسسات قادرة على منع السلطة التنفيذية من السيطرة على السياسة النقدية.
وتعززت هذه القراءة مع موقف السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي عرقل ترشيح وورش احتجاجا على تحقيق وزارة العدل مع باول.
وبحسب" واشنطن بوست" أمس الأحد، قال تيليس إنه أصبح مستعدا للمضي في تثبيت وورش بعدما تلقى تأكيدات بأن التحقيق الجنائي أُغلق فعليا، وأنه لن يعاد فتحه إلا إذا وجد جهاز الرقابة الداخلي في البنك أدلة على مخالفة جنائية.
واعتبر تيليس أن التحقيق كان محاولة للضغط على باول للاستقالة مبكرا وتقويض قدرة البنك على تحديد أسعار الفائدة بعيدا عن تدخلات البيت الأبيض.
ونقلت" واشنطن بوست" عن تيليس قوله إن وورش مرشح متميز، وإن الوقت حان لكي يتجاوز البنك المركزي هذا التشويش ويعود إلى التركيز على مهمته.
لكن الديمقراطيين لم يخفوا معارضتهم.
فقد وصفت السيناتورة إليزابيث وارن وورش بأنه" دمية بيد الرئيس ترامب"، وقالت إن أي جمهوري يزعم الحرص على استقلال البنك لا ينبغي أن يدعم المضي في ترشيحه.
في المقابل، أكد وورش خلال جلسة الاستماع أنه سيكون مستقلا في قرارات أسعار الفائدة، وقال إن ترامب لم يطلب منه، ولم يفرض عليه، ولم يشترط عليه خفض الفائدة.
وفي السياق ذاته، قالت صحيفة" وول ستريت جورنال"، اليوم الاثنين، إن الأزمة لم تنته بمجرد عودة مسار ترشيح وورش، لأن القرار الحاسم أصبح الآن في يد باول نفسه: هل يغادر مجلس المحافظين عند انتهاء رئاسته في 15 مايو/أيار، أم يبقى عضوا حتى يناير/كانون الثاني 2028؟ وبحسب الصحيفة، فإن رؤساء البنك غالبا ما يغادرون المجلس مع نهاية رئاستهم، لكن باول قال في مارس/آذار الماضي إن شرطه الأدنى للمغادرة هو أن يكون التحقيق انتهى تماما وبوضوح.
وتشير الصحيفة إلى أن بقاء باول سيحرم ترامب من فرصة تعيين عضو إضافي في مجلس المحافظين، بينما ستمنح مغادرته الرئيس مقعدا جديدا إلى جانب المقعد الذي سيشغله وورش.
وهذا يعني أن قرار باول لم يعد شخصيا فقط، بل أصبح مرتبطا بتوازن القوى داخل المؤسسة النقدية.
ونقلت الصحيفة عن ديفيد ويلكوكس، الاقتصادي السابق في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، قوله إن باول استحق التقاعد بالطريقة التي يختارها، لكنه وُضع في ظرف تاريخي يجبره على اتخاذ قرار صعب.
وأوضحت" وول ستريت جورنال" أن الخطر لا يتمثل في تغيير تدريجي لموقع واحد داخل المجلس، بل في احتمال حصول الرئيس على أغلبية قادرة على إعادة تشكيل المؤسسة من الداخل.
فإذا شغل ترامب مقعد باول إلى جانب وورش وأعضاء آخرين عينهم سابقا، فقد يمتلك أغلبية عاملة داخل مجلس المحافظين.
ويرى الاقتصادي الأميركي البارز ديفيد ويلكوكس أن هذه الأغلبية قد تفتح الباب أمام خطوات تمس البنية التقليدية للبنك، وربما تمتد إلى محاولة التأثير على رؤساء الفروع الإقليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك