ليست أزمة الجدل المعاصر في ندرة الأجوبة، بل في فساد بناء السؤال ابتداء؛ إذ يصاغ غالبا في إطار جزئي ضيق يعكس قصور إدراك السائل لا حقيقة المسألة، ثم يطالب الجواب بأن يظل أسير هذا الإطار الضيق، فإذا تجاوزه عد خروجا عن الموضوع، مع أن هذا" التجاوز" هو عين التصويب؛ لأن المنهج القرآني لا يجيب عن السؤال بحدوده، بل يعيد توجيهه إلى ما هو أولى وأعمق.
ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾؛ حيث عدل بالجواب من البحث في علة التشكل وكيفيته إلى بيان غايته ووظيفته؛ لأن ما ينفع الناس هو ما يتصل بصلاح دينهم ومعاشهم، لا ما يشبع فضولا نظريا مجردا.
وقد بين محمد الطاهر بن عاشور أن هذا العدول إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلبه، تنبيها على أن الأهم له هو ما ترتب على الأهلة من ضبط مواقيت العبادات والمعاملات، وهو ما عبر عنه البلاغيون -كيوسف السكاكي- بـ" الأسلوب الحكيم"، حيث يتلقى السؤال بغير ما طلب إرشادا إلى ما هو الأليق بحال السائل.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا المعنى، فبينوا أن الجواب وجه إلى وظيفة الأهلة في تنظيم شؤون الناس الدينية والدنيوية، لا إلى بيان سبب اختلافها؛ لأن ذلك هو موضع الحاجة، وأن ما وراء ذلك من دقائق الأسباب يترك لما يتكشف للناس مع تطور معارفهم؛ إذ المقصود في مقام التشريع ما يثمر عملا لا ما يستغرق في مجرد التفسير النظري.
قرر أبو سليمان الخطابي أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ما يتصل به من لوازمه وفروعه، استحب له أن يزيده بيانا، ولا يعد ذلك خروجا عن المقصودكما يظهر هذا الأصل في قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾؛ حيث نقل الجواب من بيان" المنفق" إلى بيان" مصرفه"؛ لأن الخلل لم يكن في جنس المال بل في توجيهه، فكان الجواب إعادة لبناء السؤال قبل الإجابة عنه.
ويتأكد هذا الأصل في السنة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: " يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ " فقال رسول الله ﷺ: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
ولم يقتصر النبي ﷺ في جوابه على قوله: " نعم" مع كفايتها، بل عدل إلى جواب أوسع وأتم، فجمع بين بيان حكم الطهورية وزيادة حكم آخر لم يسأل عنه، وهو حل ميتة البحر؛ لأن السؤال لم ينشأ عن طلب حكم مجرد، بل عن تصور ناقص في ذهن السائل، فاقتضى الجواب تصحيحه لا مجرد تلبيته.
ومن هنا قرر أبو سليمان الخطابي أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ما يتصل به من لوازمه وفروعه، استحب له أن يزيده بيانا، ولا يعد ذلك خروجا عن المقصود؛ لأن كمال الفتوى لا يكون بدفع السؤال فحسب، بل بإزالة الإشكال الذي أنتجه.
وعلى هذا، فإن إدخال قوله ﷺ: " الحل ميتته" في الجواب ليس استطرادا، بل استباق لإشكال آخر؛ إذ قد يتوهم السائل أن وجود الحيوان الميت في البحر ينجس ماءه، فدفع النبي ﷺ هذا الوهم ببيان حكم ميتته، فاجتمع في الجواب رفع إشكال الطهورية ورفع إشكال الميتة معا، وهو من جوامع بيانه ﷺ؛ إذ لم يقف عند حدود اللفظ، بل عالج ما وراءه من التصورات.
وينتقل هذا المعنى إلى واقع النقاشات اليومية؛ حيث يحاصر الجواب بسؤال ضيق، بينما الجواب الراشد يتجاوزه ليفتح أفقا أوسع للفهم.
وعند إسقاط هذا الأصل على الواقع المعاصر، يظهر أن كثيرا من الإشكالات إنما تنشأ من قبول صيغة السؤال كما هي دون مراجعة؛ ففي قضايا" الحرية" يسأل غالبا: " هل هي مطلقة أم مقيدة؟ " فيحصر الجواب في طرفين حادين، مع أن الجواب الأصح يبدأ بتعريف الحرية وربطها بالمسؤولية والقيم، فيتحول النقاش من حكم مجتزأ إلى فهم لوظيفتها في حياة الإنسان.
ليس المعيار في جودة الجواب مطابقته للسؤال، بل قدرته على تجاوزه؛ لأن الجواب إذا اتسع فتح للفهم آفاقه، وإذا ضاق أغلقه في حدود العبارةومثله في الجدل حول الدين والعلم -كمسألة التطور- حيث يبنى السؤال على مصطلحات عامة تطلب فيها إجابة بنعم أو لا، بينما المنهج السليم يقتضي تفكيك المصطلح والتمييز بين الحقيقة العلمية والتفسيرات الفلسفية التي تحمل عليها، فيرتفع التعارض من أصله بدل الدوران حوله.
ويظهر الفرق كذلك في القضايا الاجتماعية؛ فالسؤال عن" حلول سريعة" لضعف الانضباط أو التفكك الأسري ينتج أجوبة سطحية تعالج الأعراض، أما الجواب الأوسع فيكشف شبكة العوامل: من تربية، وبيئة، وضغوط اقتصادية، وبنية قيم، فيفتح أفق المعالجة الحقيقية.
وحتى في المعاملات المالية الحديثة، فإن السؤال عن حكم صورة جزئية من عقد ما قد يفضي إلى نتيجة مبتورة، بينما الجواب الأشمل يربط هذه الصورة بمقاصدها وآثارها، فيمنح السائل قاعدة يقيس عليها مستقبلا، بدل أن يبقى أسيرا لكل صورة طارئة.
ومن هنا فليس المعيار في جودة الجواب مطابقته للسؤال، بل قدرته على تجاوزه؛ لأن الجواب إذا اتسع فتح للفهم آفاقه، وإذا ضاق أغلقه في حدود العبارة.
وكثيرا ما يؤخذ على الجواب الأعم أنه" خروج عن الموضوع"، مع أنه في حقيقته رجوع إلى أصله؛ إذ ليس المقصود من الجواب أن يطابق لفظ السؤال فحسب، بل أن يكشف حقيقته ويعالج ما انطوى عليه من تصورات، ومن ثم كان الجواب الأوسع -وإن بدا متجاوزا- هو الأوفى بالمقصود، لأنه لا يكتفي بتقرير الحكم، بل يؤسس الفهم الذي يبنى عليه الحكم، وهو ما عد من قبيل الجواب الأعم من السؤال، الذي يتجاوز مورده إلى بيان أوسع وأكمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك