في ريفنا البعيد تزغرد النسوة عند النجاح وعند الزواج وعند الولادة أصوات الزغاريد تتعاود وتتعلمها النسوة بذلك التعاود لا تصنّف الزغاريد في الأصوات المبهجة أو الحزينة لكنّها أصوات يتكرر فيها حرف يختلف باختلاف الثقافات بين الراء المكررة واللام التي تنحرف إليها.
الزغاريد علامات قلّما تلفت انتباه الدارسين في ذاتها فهي دالّ على سياق كامل وعلى حالة فرح مركّبة وليست علامة على مدلول بسيط، رغم أنّها من جهة دالها الصوتي صوت أقرب إلى الطبيعي فهو كالأصوات البدائية الأولى التي كان يطلقها الإنسان من غير أن يعود، مثلما نفعل اليوم، إلى وضع لغوي سابق متواضع عليه.
فالزغرودة هي أقرب إلى الانفجار الصوتي الغريزي وتقع خارج نظام الموسيقى الواعية: هي أقرب إلى الأصوات الطقوسية الأولى التي تسبق الفن المؤسس على الإيقاع المنتظم.
وليس التواصل بالأصوات الطبيعية تواصلا بالمعنى الدقيق للعبارة بل هو تصويت يعرف به الآخرون أنّ عنصرا بشريا منهم موجود هناك وهو يشاركهم الوجود الصوتي السمعي دون أن يكون وراء تصويته دلالة عينية.
غير أنّ الزغاريد باتت تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالنظام الدلالي لأنّها لا تدل على حدث بسيط يتيم هو النجاح مثلا أو الولادة بل هو إلى ذلك علامة على سياق مكتمل وعلى شبكة من العلاقات الاجتماعية والانفعالية.
وهذا يضعها ضمن ما يمكن تسميته بالعلامات المركّبة، التي لا تُفهم إلا داخل طقس أو وضع اجتماعي محدد.
هي ليست موسيقى بالمعنى الجمالي المباشر، بل هي أداء صوتي يكتسب معناه من السياق.
الصوت الواحد يمكن أن يُستعمل في مواقف مختلفة، لكن ما يحدد دلالته هو المناسبة الجماعية وليست بنيته الصوتية.
وهذا الصوت ليس مقطعا طبيعيًا فقط، بل هو صوت مُشكّل ثقافيًا أيضا فحتى التفاصيل الدقيقة في الأداء تحمل بصمة البيئة.
الزغاريد إنجاز صوتي يبدأ مفردا ثمّ يصبح جماعيا وهو صوت يقطع نشاطا قوليا عادة ما يتلقى فيه أهل صاحب الفرح التهاني ويكون المزغرَد له غير مشارك في فعل الزغردة: تجتمع النسوة بفعل الزغردة الأولى التي إذا ولولت بها امرأة دعت جاراتها إلى الالتحاق بها وعندئذ تكون الزغردة فعل نداء: جاراتي وقريباتي أقبلن فالفرح أقبل علينا.
وما تفتأ الزغردة بوصول النسوة وتعدّدهن أن تصبح إعلانا بعد أن كان نداء.
الإعلان عن بداية الفرح واستمراره.
الفرق بين الإعلان والنداء أنّ النداء موجّه إلى التنبيه، تنبيه المتقبل للإقبال على المزغرد.
بيد أنّ الإعلان يكون بهدف الإخبار والتأثير فلقد جعلت الزغردة لتكون أيضا بوقا لإعلان الفرحة وينبغي أن نتصوّر أنّ الزغاريد أوّل ما استعملت كانت في فضاء مفتوح يقطن الناس في مسافات متباعدة ويمكن أن يصبح الصوت المزغرد قائما بالوظيفتين المذكورتين: النداء والدعاء.
علينا أن نتخيل قليلا المكان البعيد الذي تصل إليه الزغاريد؛ في هذه الحالة يتعامل من يتلقونه بتفكيك الشيفرة والتكهن بالحدث السعيد الطارئ وهو حدث لا يخرج من العادات الموجبة التي تقترن بها الزغردة.
السامع يعتمد على خبرته الثقافية ليفسر هذه الأصوات، فيبحث في حساب الاحتمالات عن نوع الفرصة ولادة بعد حمل مثلا.
ويمكن أن نجد للزغاريد بعدا وظيفيا هو الإعلام والتعبير فهي قادرة على نقل المعاني من دون شرح مباشر وتعتمد في فهمها على السياق الثقافي المشترك.
من زاوية الإدراك العرفاني الثقافي ينظر إلى الزغرودة القادمة من بعيد على أنّها تحرك في الذهن المدرك معطيات مخزنة لا تعتمد على الصوت وحده، بل على شبكة من المعرفة المسبقة والمعاني المتراكمة داخل الثقافة.
ليست الزغرودة مجرد موجة صوتية، بل إشارة ثقافية مشفّرة.
وعند تلقيها، لا يتعامل السامع معها كمعطى حسّي خام، بل يعالج الذهن فوريا ذلك الصوت بربطه بما تسجّل في الذاكرة ذات المدى الطويل من معلومات عن الصوت ودلالاته وعن محيط الصوت وأفراده ومناسباته.
و يمكن القول إن المتلقي يقوم بثلاث عمليات متداخلة:أوّلها الإدراك الحسي: بسماع الصوت وتمييز نبرته الخاصة وعدد من يصدره كثرة أو قلة والاتجاه الذي انبعث منه الصوت وغيرها من المعطيات الحسية السماعية بالأساس والبصرية إن كان مكان انبعاث الزغاريد مكشوفا.
ثانيا فكّ التشفير الثقافي وذلك بالاعتماد على المعطيات الثقافية المشتركة أو الخصوصية التي تعطي للزعردة دلالتها التواضعية الأصلية العامة.
ثالثا: الاستنتاج الافتراضي: ربط التصويت بحدث مرجّح ينتظر التأكيد.
ففهم الزغرودة لا يحدث في الفراغ، بل داخل إطار ثقافي تكون فيه المعرفة مجسدة اجتماعيًا؛ أي أن الفرد لا يفسر الصوت وحده، بل يفسره عبر ما تعلمه من المجتمع عن سياقاته ووظائفه.
وتعمل الزغرودة على أنّها علامة مفتوحة على التأويل داخل حدود ثقافية صارمة: فهي قد تحمل دلالات متعددة (دعوة، إعلام، احتفال)، لكن هذه الدلالات تبقى محكومة بسياق ثقافي يجعل التأويلات الممكنة محدودة وموجهة.
فتلقي الزغرودة دليل على أن الإدراك الإنساني ليس حسّيًا فقط، بل فيه تفاعل بين الصوت بما هو معطى مادي، والثقافة بما هي منظومة تفسيرية تمنح ذلك الصوت معناه النهائي.
إلى هذا الحدّ تحدّثنا عن تلقي الزغردة في العالم الفعلي ولكنّنا لو وسّعنا النظر باعتماد نظرية العوالم الممكنة وصلنا إلى ملاحظات أخرى ذات علاقة ببناء فضاءات دلالية افتراضية يعاد في ضوئها إنتاج المعنى.
في العالم الفعلي، لا يُعطى للمتلقي سوى معطى حسي خام يتمثل في صوت الزغرودة بوصفه حدثًا صوتيًا مجردًا من دلالته المباشرة.
غير أن هذا المعطى لا يكفي لتحديد المعنى، لأنه يظل ناقصًا من الناحية الدلالية، مما يدفع الذهن إلى تفعيل آلية تخييلية-تأويلية تستند إلى المعرفة الثقافية السابقة.
وعندئذ يمكن للسامع وهو يفترض ما حدث في محيط من زغرد حتى أطلق الزغردة، أن ينتقل إلى مستوى العوالم الممكنة، حيث يتم استحضار مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن يفسر من خلالها هذا الصوت، مثل عالم احتفال زواج، أو عالم نجاح، أو عالم ولادة، أو غيرها من المناسبات السعيدة لنسمّي هذا العالم العالم الافتراضي وهو عالم مواز للعالم الواقعي.
لكن وعلى الرغم من طابع هذا العالم الافتراضي، فإنّه لا يبنى بشكل اعتباطي، بل وفق قواعد ثقافية راسخة تجعل الزغرودة علامة مرتبطة في الغالب بسياقات الفرح والإعلان الاجتماعي عن حدث سعيد وللتقريب سيكون من يبني العالم إزاء ضرب من تمثيل علاقات متوازية يكون فيها للشخصية الواقعية المزغردة (الجارة) مواز في العالم الافتراضي وللابن الذي يفترض نجاحه أو زواجه نظير في العالم الافتراضي الموازي.
وتعمل المعطيات السياقية المحيطة بالصوت، مثل المكان، وتكرار الزغاريد، ووجود مؤشرات مرافقة كالموسيقى أو التصفيق، على تقليص فضاء الاحتمالات تدريجيًا.
هذه العملية تؤدي إلى استبعاد بعض العوالم الممكنة وترجيح بعضها الآخر ولكنّها تظل عوالم افتراضية بناها إدراك المتلقي وأسسها خارج العالم الواقعي وجعلها تناظره.
وعليه، فإن الزغرودة لا تعمل كإشارة أحادية المعنى، بل بوصفها محفزًا دلاليًا يطلق سلسلة من العوالم الممكنة داخل ذهن المتلقي، ليجري لاحقًا تنظيمها وترجيحها وفق قواعد ثقافية، وصولًا إلى تثبيت معنى نهائي مستقر.
فعلى سبيل المثال من الممكن تخيل امرأة لها نفس المواصفات في العالم الواقعي وهي تطلق نفس الأصوات التي نسميها زغردة ولكنّ الزغردة فيها لا ترتبط بالفرح بل بالخزن عندئذ ينبغي أن تكون الرسالة مفكّكة من بعيد في السياق الثقافي الجديد.
هنا نكون خرجنا من عالم تكون فيه الدلالة المرتبطة غير مرتبطة بمألوفها الدلالي لذي يرجح الفرح.
في الخيال يمكن أن نبدع زعاريد للحزن والوداع والموت ونغير بذلك في هذا العالم الإبداعي الممكن القواعد الاجتماعية والثقافية.
لن يستسيغ بعض القراء كثيرا هذا الانتقال ولكنّ العيش عبر التمثيلات التي منها الإبداع في عوالم ممكنة تجعلنا نقبل المختلف لا بوصفه عالما موازيا فقط بل بوصفه عالما ممكنا.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك