الدفاعات الفضائية في الخليج بين قبّة حديدية وذهبيةهل نحن أمام تحولات زمنية عابرة أم مشهد مُنسّق بعناية؟ لقد اجتمع كبار القادة العسكريين في وزارة الحرب الأمريكية وصنّاع القرار في الحكومة الأمريكية، وشركات الصناعية الدفاعية، في 23 أبريل، للإعلان عن تحقيق «التقدّم» في نظام القبّة الذهبية الذي وصفه الجنرال مايكل جيتلين- قائد القبّة- بأنه «الاستجابة الحاسمة لعصرٍ جديد من التهديدات»، مع ما تحمله هذه القبّة من قدرة على حماية فضاء الولايات المتحدة من الصواريخ الباليستية المعقدة، وفرط الصوتية، والصواريخ «المجنونة» حتى لو أُطلقت من أقصى أنحاء العالم، وهو نظام قدّرت تكلفته بين 185 مليارا و3 تريليونات دولار، ومن المقرر أن يُنجز مع انتهاء ولاية ترامب عام 2028.
في الوقت ذاته، وصف جيمس تايكليت الرئيس التنفيذي لشركة «لوكهيد مارتن»- العملاق الحقيقي في عالم الصناعات العسكرية والدفاعية- توجهات إدارة ترامب الدفاعية بأنها «فرصة ذهبية» للتحوّل نحو نظام التعاقد التجاري مع الحكومة الفدرالية، في خروج علنيّ من حالة «بيع الأنظمة» إلى إدارتها عبر دورة كاملة تشمل الإنتاج والصيانة والتحديث والتشغيل، عبر عقود طويلة الأمد حصل عليها من الحكومة الفدرالية في بداية الحرب مع إيران شملت أيضًا تسريع الابتكار في إنتاج الصواريخ لصالح هذه القبّة.
ترافق ذلك مع إعلان مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين عن إرسال بطارية «قبة حديدية» مع قوّات لتشغيلها في الإمارات العربية المتحدة بداية الحرب الإيرانية، لتكون هذه هي المرة الأولى التي تنتقل القبة الحديدية» من دور الدفاع المحلي الإسرائيلي إلى فضاء الدعم العسكري الإقليمي-الخارجي.
لا يمكن قراءة برنامج القبة الذهبية الأمريكي وتصدير نموذج القبة الحديدة إلى إحدى دول الخليج كظاهرتين منفصلتين، بل هو جزء من تحول هيكلي مدروس في صناعة الدفاع الفضائي التي تقودها الإدارة الأمريكية الحالية، وفق ثلاث مؤشرات متداخلة: أولاً: يُشكّل القلق الأمني المرتبط بالتهديدات الإيرانية سواء عبر الترسانة الباليستية المباشرة أو من خلال المُسيرات المحرّك الأساسي لاقتصاد الدفاعات الفضائية الجديد في المنطقة.
ثانياً: النظر إلى منطقة الخليج العربي كمنصة لاختبار الجيل القادم من الدفاعات الجوية متعددة الطبقات (أرضي–جوي–فضائي)، وهي البقعة الجغرافية الجيو استراتيجية التي ستنطلق منها تجارة «القُباب»، مع تسجيل سابقة تشغيل «القبة الحديدية» الإسرائيلية داخل دولة خليجية، وهي خطوة كسرت القالب التقليدي للدفاع القومي المغلق، وفتحت الباب أمام ممارسة دفاعية عابرة للحدود.
وهنا، أصبح الانتقال من مفهوم الدفاع الوطني إلى الدفاع الاستراتيجي العابر للحدود واضحاً، مع ما يحمله من مخاطر على السيادة الأمنية لصالح شبكات الردع الجماعي، وزوال الخطّ الفاصل بين المشتري والمُشغّل، واحتمالية اتخاذ القرارات العسكرية من قبل المشغلين في أجزاء من الثانية.
ثالثاً: خلق تغيرات بُنيوية في آلية عقود شراء الاعتراضات الجوية الدفاعية، وتحويلها إلى أنظمة دفاعية متكاملة طويلة الأمد تشمل: التشغيل، والتدريب، والتبادل اللوجستي، والصيانة، وسلاسل الإمدادات الحربية بما يعيد رسم توازنات النفوذ، ويُحتّم التزاماً أمنياً طويل الأمد، ويحدّ من الشركاء العالميين.
يبدو أنّ الإدارة الأمريكية نجحت في توظيف الخطأ التاريخي الاستراتيجي الذي وقعت فيه إيران بالاعتداء على دول الخليج، - في سيناريو يُشبه حرب الخليج الثالثة- لترسم مسار استراتيجي مغاير تماماً قد يحوّل المنطقة إلى ركيزة أساسية لتنشيط تجارة الدفاعات الفضائية في القرن الحادي والعشرين، وتعمل من خلاله على تعزيز التكامل الأورو متوسطي–الأطلسي–الإسرائيلي، بما يُمكّنها من امتلاك أدوات نفوذ هائلة، عبر تصدير سلاسل إمداد حساسة ومراكز صيانة وتدريب إقليمية، مع ما يحمله ذلك من تبعات جيوسياسية عميقة على توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وبالتالي فإنّ الأرباح الحقيقية لهذه التجارة لن تقتصر على بيع الصواريخ، بل على دورة الحياة الكاملة لتشغيل المنظومة الدفاعية لـ»القُباب» ضمن برنامج دفاعات فضائية متكامل تموّله دول الخليج في المنطقة.
في المقابل، تكتسب دول الخليج مرونة عملانية، وسعة دفاعية تفوق حدود منظوماتها الوطنية السابقة، لكنها قد تدخلها في أعلى درجات الاعتماد الاستراتيجي على مزودي التكنولوجيا الخارجيين والمشغلين، مما يعيد رسم الخريطة الأمنية الإقليمية بالكامل، ويطرح التساؤل عمّا إذا كان الهدف الحقيقي من الحرب الراهنة هو الخليج وليس إيران فقط؟ @snasser24.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك