غزة- “القدس العربي”: بعد مرور أكثر من ستة أشهر على سكون المدافع وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال “الاستقرار” كلمة غريبة على قاموس النازحين في قطاع غزة.
ففي بقايا هيكل خرساني كان يسمى يومًا “منزلًا” في مدينة غزة، تحولت الجدران الآيلة للسقوط إلى سجن اختياري لسبع عشرة عائلة نزحت من بلدة بيت حانون الحدودية، يشاركهم العيش في المحيط ذاته سبع عشرة عائلة أخرى افترشت الخيام في ساحة المبنى السفلية، ليصنعوا معًا مجتمعًا من 34 عائلة يوحدها أمل العودة ويفتك بها الخوف.
هنا، لا تسير الحياة وفق قوانين الطبيعة البشرية، بل وفق قوانين الهشاشة.
السلالم التي من المفترض أن تكون وسيلة صعود، تحولت إلى فخاخ للموت تفتقر إلى أدنى حواجز الحماية، حيث يسقط الأطفال وكبار السن من الطوابق العليا كأوراق الخريف، لعدم وجود بدائل سكنية تقيهم غدر الهندسة المنهارة، وفي ظل انسداد أفق الإعمار الذي بات ورقة ضغط سياسية تُشهر في وجه المشردين.
تحت هذا السقف الذي ينضح بالرطوبة والتشققات، تجلس الحاجة أم محمد عليان (63 عامًا)، وهي تلخص مأساة جيل كامل من المسنين الذين فقدوا أمانهم.
لم يكن نزوحها مجرد انتقال جغرافي، بل كان سلسلة من الانكسارات الجسدية.
تقول لـ”القدس العربي” بمرارة: “سقطتُ أرضًا بسبب هذه السلالم المتهالكة، والنتيجة خلع في يدي تطلب تركيب شرائح معدنية (بلاتين)، وانزلاق غضروفي يجعل من حركتي عذابًا يوميًا”.
تتحدث أم محمد وعيناها ترقبان سقف الغرفة الذي يتساقط منه الحصى والحجارة الصغيرة باستمرار، وكأنه عداد تنازلي لانهيار وشيك.
تضيف: “نحن نتماسك في هذا المكان بصعوبة بالغة، لا نملك مكانًا آخر نذهب إليه.
في الشتاء، كانت مياه الصرف الصحي تتدفق علينا، واليوم نعيش بين مطرقة الفئران وسندان الجدران التي نسمع صوت تصدعها في سكون الليل”.
خلف كل ركن مظلم في هذا الركام، تتربص “أنياب” من نوع آخر.
الجرذان الضخمة التي استوطنت الشقوق وتكاثرت في ظل طفح المجاري، باتت العدو الأول لأطفال النازحين.
أحمد (36 عامًا)، الأب الذي يحاول ممارسة دور الحماية في بيئة غير آمنة، يصف حالة الرعب التي تعيشها طفلته الرضيعة ذات الشهرين.
يقول أسيد النجار: “كنت أنقل طفلتي كقطة تنقل صغارها، أهرع بها من زاوية إلى أخرى هربًا من المطر تارة، ومن الحجارة المتساقطة والشقوق تارة أخرى”.
يصف أسيد المشهد بصراحة تامة خلال حديثه لـ”القدس العربي”: “لا توجد حياة هنا.
الجرذان منتشرة بكثرة، ومياه الصرف الصحي تملأ المكان”.
ويناشد العالم: “نريد أن نعود إلى ديارنا في بيت حانون؛ لا نريد منازل بديلة، بل نريد أرضنا لنزرعها ونبنيها من جديد”.
هذا القلق تشاطره إياه أم محمد، التي تقضي ليلها ساهرة لحماية حفيدتها ابنة الثلاثة أشهر: “أخاف أن تنهشها الجرذان في وجهها أو أطرافها، أنتم تعلمون حجم هذه القوارض في أماكن مهجورة كهذه”.
الإعمار.
الرهينة والسرابتأتي معاناة هذه العائلات في وقت يبدو فيه ملف “إعادة الإعمار” وكأنه دخل نفقًا مظلمًا من الابتزاز السياسي.
فبرغم مرور نصف عام على وقف إطلاق النار، لا تزال حكومة الاحتلال تتبع سياسة “الالتفاف” على التعهدات الدولية، مرتهنة ملف الإعمار بمسارات سياسية وأمنية معقدة.
هذا الالتفاف حول الاتفاق جعل من “الانسحاب الكامل” من مناطق الخط الأصفر، التي تمثل 50% من مساحة قطاع غزة، مجرد حبر على ورق، حيث تعرقل العودة الآمنة للسكان عبر تحويل المناطق الحدودية، مثل بيت حانون، إلى “أراض محرمة” على أهلها.
يرى مراقبون أن تأخير دخول مواد البناء وعدم توفير ضمانات دولية لعدم تكرار التدمير، جزء من استراتيجية الاحتلال لإنهاك الحاضنة الشعبية، تمامًا كما تنهك هذه الجدران أجساد النازحين.
فالمبنى الذي يقطنه أحمد وأبو حبيب ليس مجرد ركام، بل هو شاهد على مرحلة من “الموت السريري” للعملية السياسية التي لم تنجح حتى الآن في تأمين خيمة آدمية أو كيس إسمنت لترميم ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية.
لم يكن اختيار هذا المنزل المنهار ترفًا، بل كان هروبًا من واقع أكثر قسوة في مراكز الإيواء.
الشاب عدي أبو حبيب (22 عامًا)، يروي رحلة التيه: “تنقلنا بين أماكن عدة، لكن المخيمات ومراكز الإيواء في المدارس تعاني من مشاكل جمة وتفتقر إلى الخصوصية، خاصة لعائلة تضم عددًا كبيرًا من الأطفال”.
ويضيف أبو حبيب موضحًا لـ”القدس العربي” تعقيدات السكن في هذا الخطر الدائم: “جئنا إلى هنا رغم أن السقف قد انفصل فعليًا عن الجدران.
نحن 17 عائلة داخل المبنى، بالإضافة إلى 17 عائلة أخرى تعيش في خيام أسفل المنزل، نواجه نقصًا حادًا في أبسط مقومات الحياة، وقد نُدفن في أي لحظة”.
ويوضح: “هناك جرحى بيننا، مثل ابني المصاب بشرائح معدنية، والذي لا يستطيع الصعود أو النزول، ولولا مساعدة والده وشقيقه في تأمين الماء والطعام لما استطاع البقاء”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك