تشكل مسألة توثيق الملكيات العقارية في سوريا إحدى أبرز التحديات المرتبطة بمرحلة ما بعد النزاع، في ظل ما تعرضت له السجلات الرسمية من أضرار أو فقدان في بعض المناطق.
ومع التوجه نحو رقمنة السجل العقاري، تبرز تساؤلات حول آليات حماية حقوق الملكية وضمان دقتها، إلى جانب دور هذه العملية في دعم جهود إعادة الإعمار وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
وتقدم وزارة الإدارة المحلية والبيئة مشروع التحول الرقمي بوصفه مدخلاً لتحديث الإدارة وتبسيط الخدمات، معلنةً عن خطة لرقمنة ما بين 500 و600 ألف عقد ونحو 5 آلاف سجل عقاري في دمشق خلال عام واحد، ضمن مسار أوسع يشمل مراكز البيانات وحماية الأنظمة.
لكن خلف هذه اللغة التقنية، يظهر ملف أشد تعقيداً؛ فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية تحويل الورق إلى ملفات رقمية، بل بما إذا كانت هذه الأوراق سليمة أصلاً، ومن يملك حق الاعتماد عليها في ظل اختفاء آلاف القيود بفعل نفوذ سياسي وفساد إداري امتد لعقود في زمن النظام المخلوع.
يضع المهندس أحمد عليوي، مدير التحول الرقمي في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، حدوداً واضحة لفهم المشروع؛ مؤكداً أن الفكرة الشائعة عن" رقمنة السجل العقاري" غير دقيقة، لأن العمل لا يبدأ من النظام، بل من البيانات نفسها.
في حديثه لتلفزيون سوريا، أوضح عليوي أن ما جرى مع شركة" توركسات" (Türksat) التركية في 21 نيسان الجاري، هو" مذكرة تفاهم" فقط، وليس عقداً تنفيذياً، ما يعني أن المشروع ما يزال في مرحلة دراسة الواقع وتحليل البيانات.
يشرح عليوي أن هذه المرحلة تتيح للوزارة تقييم أي نموذج تقني قبل اعتماده، مع الاحتفاظ بالقرار النهائي، مشدداً على أن" السيستم ليس المشكلة.
المشكلة ما الذي سنضعه داخله".
هذا التوصيف يلخص جوهر الأزمة؛ فالسجلات ليست جاهزة للتحويل الرقمي، بل تحتاج إلى تنظيم وتدقيق فني وقانوني قبل ذلك.
تركيا نموذجاً.
تجربة أزمة لا مجرد تقنيةلا يربط عليوي اختيار الشراكة مع تركيا بملف تاريخي، بل يستند إلى تجربتها العملية الممتدة لسنوات طويلة.
ويوضح أن التجربة التركية تبدو الأقرب إلى الواقع السوري من حيث طبيعة العمل وتدرج التطور، خاصة أن أنقرة طورت أنظمتها ضمن ظروف معقدة، وهو ما ينسجم مع احتياجات الوزارة في بيئة توصف بأنها" بيئة أزمة".
ويؤكد أن الهدف الأساسي يتمثل في دراسة" تجربة المستخدم" (User Experience) وسير المعاملات، بهدف تقليص زمن إنجازها من أسابيع إلى ساعة أو ساعتين.
ويشير عليوي إلى أن من أبرز العوامل التي منحت النموذج التركي هذه الأهمية قدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، إذ أعادت تركيا تنظيم سجلاتها وبنيتها الإدارية بشكل واسع بعد الزلازل التي تعرضت لها.
هذا الواقع يجعل التجربة التركية، برأيه، " مختبرة في بيئة أزمة" حقيقية، وهو ما يتقاطع مع الحالة السورية التي خرجت من دمار واسع وتحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، ويشدد على أن الهدف ليس استيراد نظام جاهز، بل دراسة تجربة متكاملة وتكييفها بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.
مرحلتان لا واحدة.
أرشفة ثم تحوليفصل عليوي بين مرحلتين أساسيتين:الأرشفة الرقمية: وهي تحويل الوثائق والقيود الورقية إلى نسخ إلكترونية، وهو ما يستهدفه المشروع في دمشق خلال الـ 12 شهراً القادمة.
التحول الرقمي الكامل: ويشمل بناء منظومة مترابطة تسمح للمواطن بإنجاز الخدمة عبر الهاتف المحمول أو الحاسوب من دون الحاجة لزيارة الدوائر الحكومية.
ويقدر عليوي أن الوصول إلى المنظومة الكاملة قد يستغرق بين 5 إلى 7 سنوات، لضمان دقة البيانات وتكاملها بين المحافظات.
يشدد مدير التحول الرقمي على أن البيانات العقارية تمثل ملفاً سيادياً بامتياز، ويؤكد أن تخزين البيانات سيتم بالكامل داخل سوريا ضمن مراكز بيانات محلية وتحت إدارة وطنية، ولن تحصل أي جهة خارجية على وصول مباشر للمعلومات.
ويقتصر دور الشركات الخارجية على نقل الخبرة والتقنية وبناء الأنظمة فقط.
كما تم تصميم هذه الأنظمة لتكون" خفيفة" وتعمل بكفاءة رغم ضعف البنية التحتية والإنترنت في البلاد.
ماذا عن النزاعات والبيوع الصورية؟أحد أبرز مخاوف السوريين يتعلق بالسجلات التي تحمل نزاعات قانونية أو بيوعاً صورية.
ويجيب عليوي بوضوح: " النظام الرقمي لا يملك صلاحية حسم هذه القضايا".
هذه الملفات تبقى من اختصاص القضاء ووزارة العدل، وأي بيانات تُدخل إلى النظام يجب أن تعكس وضعها القانوني الحالي، بما في ذلك إشارات الحجز والدعاوى.
الرقمنة هنا لا تنتج حقيقة قانونية جديدة، بل تحفظ الحقيقة القائمة وتسهل الوصول إليها، والبيوع الصورية تُعالج قضائياً ثم تُثبت نتيجتها في السجل، سواء كان ورقياً أو رقمياً.
المشكلة الحقيقية.
خارج النظامإذا كان الإطار التقني يسير وفق خطط وزارة الإدارة المحلية، فإن ما يكشفه الأستاذ علي الحمد، مدير العلاقات العامة في الوزارة، لموقع" تلفزيون سوريا"، يوضح أن التحدي الأكبر يكمن في حالة السجل العقاري السوري نفسه.
يقول الحمد إن السجلات تعرضت خلال سنوات النظام المخلوع لعمليات تمزيق وتغيير ممنهجة، ويضيف: " هناك صحائف عقارية مزقت، وملكيات تغيرت"، مما يجعل الترميم المادي والقانوني للصحائف خطوة استباقية إلزامية قبل الرقمنة، كما يحدث حالياً في ورشات العمل الميدانية في حلب ومحافظات سوريّة أخرى.
وفي الحالات التي فُقدت فيها الوثائق كلياً، تعتمد الوزارة على تسلسل صارم للإثبات، تبدأ بالثبوتيات الحكومية المتاحة، ثم الشهادات المحلية من المجالس والأعيان.
ويبرز هنا مثال داريا في ريف دمشق، حيث جرى حصر وتحديد نحو 82 بالمئة من الملكيات رغم الدمار الهائل، اعتماداً على معرفة السكان ببعضهم والذاكرة المحلية، مع إخضاع هذه النتائج لتدقيق لجان قانونية متخصصة، وفق ما أكد الحمد.
الأرشيف العثماني.
دور محدود للاستئناسيوضح الحمد أن الأرشيف العثماني لا يشكل مرجعاً أساسياً يحل محل السجل السوري.
فالسجل العقاري الوطني الذي يتجاوز عمره 100 عام هو المصدر الأول، في حين يستخدم الأرشيف العثماني كأداة مساعدة للتحقق والمطابقة، ورفع المظلوميات أو كشف عقارات وقفية طُمست سابقاً.
يكشف الحمد أن ملف الملكيات هو أحد أبرز أسباب تأخر إعادة الإعمار؛ فوجود مهجرين ومفقودين وغياب وثائق يجعل أي مشروع عرضة للنزاع القانوني، حتى ترحيل الأنقاض يرتبط بحقوق الملكية الخاصة ولا يمكن تنفيذه من دون سند قانوني.
ويقدم الحمد مثالاً من حي القرابيص في حمص، حيث توقف مشروع إعادة الإعمار (ضمن مخطط بوليفارد النصر) بسبب اعتراض عدد من السكان.
يوضح الحمد أن السبب يعود لـ" فقدان الثقة" المتراكم من تجارب" النظام المخلوع"، حيث يخشى السكان فقدان حقوقهم أو الحصول على تعويضات غير عادلة.
ورغم أن شركة" العمران" أعلنت استمرار المشروع في مناطق أخرى مثل المصابغ وسوق الهال، إلا أن العمل في حي القرابيص لن يبدأ إلا بموافقة الأهالي لضمان العدالة المكانية.
مشروع يبدأ من السجل لا من الحاسوبتكشف هذه المعطيات أن رقمنة السجل العقاري في سوريا ليست مشروعاً تقنياً بحتاً.
الوزارة تحاول بناء نظام رقمي حديث، لكنها في الوقت نفسه تعيد بناء السجل القانوني المتهالك، وتعالج نزاعات الملكية، وتحاول استعادة ثقة المواطنين المفقودة.
التحول الرقمي لا ينجح عبر التكنولوجيا وحدها، بل عبر القانون والمؤسسات والمجتمع؛ فهو المسار الذي يبدأ من تثبيت الحق، ويمر بإصلاح السجل، وينتهي بنظام تقني قادر على حمايته للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك