حين يخفت ضجيج سيل الأخبار المتلاحقة والترندات الرائجة، تبقى الحكايات وحدها قادرة على أن تعيد ترتيب الذاكرة، خاصة أنها ليست الحكايات التى تُروى للترفيه، بل تلك التى تُكتب من عرق الميدان وصوت الرصاص ومن أوراق صغيرة كُتبت بشكل سريع بين مهمة وأخرى، وحينها فى تلك اللحظات تحديدًا تبدأ «حكاية بطل»، بطل ضحّى بدمائه لحماية الأرض ولم يترك خلفه فقط سيرة عسكرية تُروى، بل أثرًا إنسانيًا يمتد فى كل من عرفه، وفى كل من سمع حكايته.
لم يكن يومًا الأبطال والشهداء مجرد أرقام فى بيانات، ولا أسماء عابرة فى سجلات، بل بشرًا عاشوا تفاصيل حياتهم ببساطة، وحين جاءت لحظة الاختبار كانوا على قدرها، وهنا يمكننا أن نقول إن التضحية تتحول من مشهد عابر إلى معنى ممتد، ومن واقعة محددة إلى ذاكرة جماعية تُروى جيلًا بعد جيل لتؤكد أن ما يبقى فى النهاية ليس فقط ما حدث، بل كيف عاشه أصحابه، وكيف كتبوه بدمائهم.
فمنذ اللحظة التى أعلن فيها المتحدث العسكرى للقوات المسلحة، العميد أركان حرب غريب عبدالحافظ، عن البرومو الرسمى لسلسلة «حكاية بطل» عبر صفحته الرسمية، بدا واضحًا أن هناك تحولًا يتشكل فى طريقة التعاطى مع المنصات الرقمية، ومع الأجيال الجديدة تحديدًا، خاصة أن تلك البروموهات الترويجية لم تكن مجرد مادة دعائية تقليدية، بل جاءت مشحونة بإيقاع بصرى حماسى مكثف، يعكس إدراكًا لطبيعة الجمهور الذى يتلقى المحتوى سريعًا ويتفاعل معه فى لحظات خاطفة.
لكن الأهم من ذلك أن السلسلة نفسها لم تأت كعمل توثيقى تقليدى، بل كنوع مختلف من السرد أقرب إلى إعادة بناء الإنسان داخل البطل، كما قال لى أحد أساتذة علم النفس بعدما شاهدها وأعاد إرسالها لى، فبدلًا من أن تبدأ القصة من لحظة الاشتباك والقتال، بدأت حكايات الأبطال هنا من التفاصيل الصغيرة «رسالة، مكالمة، وعد عابر، أو حتى نظرة أخيرة لم يفهمها أحد وقتها».
«الرشاش».
عمرو أسامة قضى على عدد من التكفيريين ولقى ربه قبل زفافهفى قرية «مليج» بمحافظة المنوفية، لم يكن اسم الرقيب الشهيد عمرو أسامة عليوة- وهو أحد أبطال الكتيبة ١٠٣ صاعقة، الذى استشهد خلال أداء الواجب المُقدس فى شبه جزيرة سيناء فى شهر أغسطس عام ٢٠٢٢- مجرد اسم عابر فى سجلات المواليد، فرغم أنه كان شابًا عاديًا يشبه آلاف الشباب فى ملامحه وأحلامه، اختار طريقًا لا يُشبه إلا القليلين، طريق لا تُقاس نهاياته بالسنوات، بل بالمواقف.
حين عُرضت الحلقة الأولى من «حكاية بطل» بعنوان «الرشاش»، لم تبدأ بمشهد يمتلئ بالنيران أو القتال، بل بورقة «رسالة بخط اليد» كلمات بسيطة كتبها عمرو لوالده، يخبره فيها بأنه بطله، لم يكن يعرف وهو يكتبها أنها ستصبح لاحقًا وثيقة إنسانية تختصر حياة كاملة.
ثم رسائل أخرى لأشقائه ولوالدته، لم تكن رسائل وداع، بل رسائل حياة ممتلئة بالحديث عن الحب وعن الرابط الذى لا يُكسر وعن تفاصيل تبدو عادية، لكنها حين تعاد قراءتها بعد الرحيل، تتحول إلى شىء آخر أقرب إلى الأثر.
تبدأ قصة استشهاد الرقيب عمرو فى منطقة جبلية وعرة تُعرف بـ«جبل اللجمة» فى شمال سيناء، ولأن الجبال هناك ليست مجرد تضاريس، بل مساحات اختبار لما تم التدريب عليه داخل صفوف القوات المسلحة، تحول حادث الاستشهاد إلى ملحمة، بوصول معلومات بوجود بؤرة إرهابية تتحصن فى المكان ولم يكن ممكنًا الوصول إليها بالمركبات، فكان القرار أن يتم التقدم سيرًا على الأقدام.
واشتبكت القوة مع العناصر التكفيرية، وجرى تبادل إطلاق نار عنيف، لدرجة أن ثلاثين مترًا فقط كانت تفصل بين الطرفين، وسقط ثلاثة من العناصر الإرهابية وانتهت المواجهة باستشهاد البطل عمرو «الرشاش».
ولأنه فى المعتاد أن الحكايات العسكرية غالبًا ما تنتهى الرواية عند لحظة الاستشهاد، إلا أن «حكاية بطل» اختارت أن تبدأ من بعدها.
يروى أحد زملائه، الرقيب أول أحمد إبراهيم حامد، لحظة إخلاء الجثمان، موضحًا أن المشهد لم يكن سهلًا، إطلاق نار مستمر ومسافة طويلة من الأرض الجبلية الوعرة يجب قطعها، ثلاثة كيلومترات كاملة، حمل فيها جسد زميله على كتفه، معتبرًا أنها لم تكن مجرد مهمة إخلاء، بل كانت فكرة عقيدة كاملة تقول إن الجندى لا يُترك خلفه حتى لو صار شهيدًا.
واستشهد الرقيب شهيد عمرو أسامة عليوة، عن عمر ناهز ٢٥ عامًا، قبل أن يتزوج، وعُرف عنه أخلاقه وسمعته الطيبة بين رفاقه فى الكتيبة ١٠٣ صاعقة، فضلًا عن المشاركة الشعبية الواسعة من أهالى قريته فى جنازته، التى أقيمت بمشاركة رسمية من القوات المسلحة وأجهزة محافظة المنوفية، عرفانًا ببطولة الشهيد الراحل، وسط هتافات، مثل: «الشهيد حبيب الله» وهتافات معادية للعناصر الإرهابية.
تخاطب جيلى «زد وألفا» اللذين تعوّدا على المشاهدات السريعة من بوابة «الريلز»لا تعيد سلسلة «حكاية بطل» التى أطلقتها القوات المسلحة فقط سرد ما حدث من مكافحة للإرهاب فى سيناء، بل تُعيد تعريف معنى البطل نفسه، فلم يعد البطل هو الاسم الكبير أو الرتبة الأعلى، بل ذلك الإنسان العادى الذى يعيش بيننا ثم يجد نفسه فى لحظة ما أمام اختبار لا يقبل التراجع، أو الذى نعرفهم بأنهم «ملح الأرض».
اللافت فى السلسلة أنها لا تفصل بين العسكرى والإنسانى، بل تدمجهما معًا، فالجندى هنا ليس مجرد مقاتل، بل ابن وأخ وصديق وأب لديه حياة خارج الزى العسكرى لكنها لا تنفصل عنه.
أما دلالة التوقيت التى طُرحت فيه الحلقات الأولى والمقاطع الترويجية للسلسلة، فليست عابرة، بل تحمل رمزية واضحة، خاصة مع تزامن إطلاقها مع الذكرى الـ٤٤ لتحرير سيناء، لتعود الحكايات وتنسج خيطًا ممتدًا بين جيلين، جيل استعاد الأرض من الاحتلال، وجيل صانها فى مواجهة الإرهاب.
وهنا يمكننا أن نعتبر أن الرسالة لا تبدو موجهة للماضى بقدر ما تُخاطب الحاضر وتصل مباشرة إلى وعى الشباب، مؤكدة أن استمرارية البطولة ليست شعارًا يتم ترديده، بل حقيقة تتجسد فى كل تفصيلة من تلك الحكايات، كأن التاريخ لا يُروى على هيئة فصول منفصلة، بل كقصة كبيرة واحدة متصلة تتغير وجوه أبطالها ويبقى جوهرها واحدًا.
بمشاهدة دقيقة لحلقات «حكاية بطل»، سنجد على مستوى الشكل أن السلسلة لا تعتمد على الأرشيف فقط، بل تستخدم تقنيات حديثة لإعادة بناء بعض المشاهد بتقنيات الذكاء الاصطناعى باعتباره أداة لاستكمال ما لم تستطع الكاميرا توثيقه وقت الحدث، فيحدث مزج بين التوثيق وإعادة التمثيل لخلق تجربة بصرية مختلفة أقرب ما يكون إلى إعادة إحياء اللحظة لا مجرد عرضها.
اختارت «حكاية بطل» أن تدخل إلى الجمهور، خاصة الجيل الجديد منه من نفس البوابة المفضلة لديه، الفيديو القصير المعروف بصيغة «الريل»، خاصة أن جيلى «زد وألفا» لا ينتظران البرامج الطويلة، بل يتفاعلان مع المحتوى السريع، المكثف، القادر على جذب الانتباه من اللحظة الأولى.
وبرصد ما فعلته هذه السلسلة من ردود أفعال كبيرة خلال الأسبوع الماضى على منصات التواصل الاجتماعى، يمكننا أن نقول إنها باتت ترسخ لبناء ذاكرة جماعية لا تعتمد على الأرقام، بل على الوجوه وعلى الأصوات وعلى الحكايات، وهى الطريقة التى يعتبرها علماء الاجتماع الأكثر ثباتًا.
الخلاصة التى يمكن أن نطمئن إليها هى أن سلسلة «حكاية بطل» لا تحاول أن تقدم إجابات، بقدر ما تطرح سؤالًا بسيطًا حول كيفية صناعة البطل، والإجابة يبدو أنها لا تأتى فى مشهد واحد ولا فى لحظة استشهاد فقط، لكننا نجدها فى كل التفاصيل التى تسبقها، خاصة تلك الرسائل والابتسامات فى القرارات الصغيرة التى تبدو عادية، لكنها فى لحظة ما تتحول إلى قدر.
«الصقر».
اقتحم معاقل الإرهابيين بشجاعة وتقدم الصفوف لحماية رفاقهالحكاية لا تقف عند عمرو أسامة وحده، ففى الحلقة الثانية من «حكاية بطل» برزت قصة الشهيد النقيب محمد ياسر هوتش، المعروف بـ«الصقر»، ويقدمه الفيديو فى البداية لا كضابط فقط، بل كقائد، والفرق بين الاثنين ليس فى الرتبة، بل فى السلوك كما يروى رفاقه، لأنه كان يسبق جنوده فى كل شىء، فى التعب، فى الخطر، وفى الطمأنينة أيضًا.
الشهيد محمد ياسر هوتش من مواليد قرية بلتان، مركز طوخ، محافظة القليوبية، وهو خريج الدفعة ١١٢ حربية فى يوليو ٢٠١٨، والتحق بقوات المظلات عقب تخرجه.
فى سيناء، ووسط أزيز الرصاص وتحديات المواجهة، كان النقيب محمد ياسر هوتش حاضرًا بعقيدة ثابتة، مؤمنًا بأن الدفاع عن الوطن واجب وشرف، وشارك فى عمليات نوعية استهدفت اقتلاع جذور الإرهاب من شمال سيناء، وأسهم مع رفاقه فى حماية الأمن القومى المصرى.
وفى ٣٠ سبتمبر عام ٢٠٢٢، استشهد النقيب محمد ياسر هوتش فى هجوم للعناصر التكفيرية والإرهابية بمنطقة جلبانة غرب سيناء، بعد أن قاتلهم بكل قوة، لكن قبل استشهاده بساعات، تحدّث مع أسرته ووعدهم بأنه سيعود قريبًا، وهو وعد بسيط يتكرر يوميًا فى آلاف البيوت، لكنه فى هذه المرة تحقّق بشكل مختلف، فقد عاد فعلًا، لكنه كان محمولًا على الأعناق.
كانت المهمة جارية فى إحدى مناطق سيناء، حيث تعطّلت مركبة «هوتش» فى الرمال، وحينها تلقى أمرًا بالعودة، أمر عسكرى واضح، لكنه لم يعد، وأصرّ على الاستمرار والانضمام إلى مجموعة الاقتحام، كان يريد أن يكون فى المقدمة، كما اعتاد، حسبما يقول زملاؤه.
خلال الاقتحام، نجح فى تصفية عنصرين إرهابيين، تحرّك بدقة وثقة، كما لو أنه يعرف المكان، لكن رصاصة واحدة جاءت من زاوية لم تكن فى الحساب، عنصر مختبئ داخل حفرة، خلف سياج كثيف، حينها انتهى الاشتباك بالقضاء على باقى العناصر، لكن «الصقر» كان قد حلق بعيدًا.
ما تكشفه هذه الحكاية ليس فقط لحظات القتال والاستشهاد، ولكن ما قبلها، أحاديث عن قائد لا يعاقب من الخطأ الأول وعن ضابط يطمئن على طعام جنوده قبل أن يأكل، عن إنسان يرفض أن تُمس شجرة فى أرض أحد الأهالى خلال العمليات، قد يعتبرها البعض تفاصيل صغيرة، لكنها تصنع الفرق بين من يؤدى واجبه ومن يعيش قيمه.
وحسب الفيديو، فإن البطل حتى فى إجازاته كان يحمل شيئًا مختلفًا، يمر على أهله واحدًا واحدًا، كأنه يودّعهم دون أن يقول، ودون أن يدرك أحد أن هذه التفاصيل ستتحول لاحقًا إلى ذاكرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك