د.
صابر أبوسعدية (أفريكا)يبدو سؤال “لماذا الحرب؟ ” أشبه بتساؤل طفولي، سادي، ساذج، وربما عفا عليه الزمن.
لكنه في الحقيقة سؤال جوهري لا يكف عن ملاحقة الإنسانية منذ فجر التاريخ.
عندما يسأل طفل صغير: لماذا يقتل الكبار بعضهم؟ قد تبدو براءته ساذجة.
وعندما يسأل جندي منهك بعد معركة دامية: لماذا كل هذه الحرب؟ قد تبدو حيرته إنسانية.
وعندما يسأل فيلسوف: ما سبب الحرب؟ قد تبدو رؤيته عميقة.
السؤال نفسه، لماذا الحرب؟ يحمل في طياته أبعاداً متعددة، تتراوح بين البساطة الطفولية والتعقيد الفلسفي.
لكن هل السؤال ساذج حقاً؟ أم أننا نخاف من سذاجته لأنها تكشف عارنا؟هذا المقال محاولة لفهم طبيعة هذا السؤال، وتفكيك جدليته، والوصول إلى إجابة ربما تكون أكثر إزعاجاً من السؤال نفسه.
لماذا نعتبر السؤال ساذجاً؟في ثقافتنا اليومية، هناك أسئلة تعتبر طفولية أو ساذجة؛ أسئلة يضحك الكبار عليها لأن الإجابة واضحة.
لكن في كثير من الأحيان، هذه الأسئلة البسيطة تكشف ما لا نريد رؤيته.
طفل يسأل: لماذا الحرب؟ الإجابة السريعة: لأن هناك أشراراً وأخياراً.
لكن الطفل سيتابع: لماذا لا يصبح الجميع أخياراً؟ عندها يبدأ الحرج.
السؤال الساذج هو الذي لا يقبل الإجابات الجاهزة، والذي يكشف أن ما نعتبره طبيعياً هو في الحقيقة غير طبيعي.
إذا تأملنا، نجد أن السؤال “لماذا الحرب؟ ” ليس ساذجاً بقدر ما هو محرج.
سألني دبلوماسي أفريقي في أحد المؤتمرات بالعاصمة داكار (السنغال) وقال: هل زلتم تحاربون في السودان؟ لم ينتظر الإجابة، وتركني في بحث عنها!إن السؤال يفضح أننا نظمنا حياتنا حول شيء متناقض: نحن نحب السلام، لكننا نجهز للحرب.
نحن نكره الموت، لكننا نمجده في سياق الاستشهاد.
نحن نريد العدالة، لكننا نصنعها عبر الدبابات والقنابل.
السؤال “لماذا الحرب؟ ” مثل السؤال “لماذا الفقر في عالم يغرق في الثروات؟ ” و”لماذا الجوع ونحن نلقي الطعام في القمامة؟ ”.
إنه سؤال لا إجابة له ترضي العقل، ولهذا نفر منه ونتهمه بالسذاجة.
على الجانب الآخر، هناك السؤال الفلسفي؛ الذي لا يبحث عن إجابة عملية، بل يحاول فهم جوهر الظاهرة.
الفلاسفة عبر العصور تصدوا لسؤال الحرب بإجابات مختلفة ومتعارضة.
قد يتساءل المرء أيضاً: لماذا الشر، أو الموت، أو العنف؟ أسئلة مشروعة وجوهرية تطرحها المدارس الفلسفية المختلفة عن عنف الطبيعة.
بالمقابل يذهب المؤرخون إلى دراسة الأسباب الواقعية للحروب: المصالح، الأطماع، الموارد، والسياسة.
أما الفلاسفة فيسألون: ما هي الحرب حقاً؟ ولماذا تنشب أصلاً؟ أهواء الإنسان أم سياسات الدول؟ الفيلسوف توماس هوبز يرى أن الحروب تنشأ من ثلاثة مشاعر إنسانية رئيسية: الجشع (الرغبة في الحصول على ما يملكه الآخرون)، الخوف (حماية النفس من تهديد متوقع)، وأخيراً الغرور (البحث عن المجد والهيبة وإثبات التفوق).
وهكذا تصبح الحرب امتداداً لرغباتنا اللامحدودة، لا تشبعها موارد ولا يوقفها منطق.
لكن الأمر يتجاوز الأفراد، كما قال روسو: “الحرب ليست علاقة إنسان بإنسان، بل علاقة دولة بدولة”.
الدول بدورها تتحرك بدوافع الجشع (غزو الأراضي)، أو الخوف (سباق التسلح)، أو المجد (أسطورة القائد الفاتح).
يذكرنا أرسطو بأن الغضب -الرغبة في الانتقام ضد ظلم ما- سبب آخر يثير الحروب.
لكن الدولة الحديثة، بما لها من سيادة، تجعل من الحرب أحياناً قضاءً ذاتياً في غياب قضاء دولي فعال، فتتحول الحرب إلى وسيلة بديلة لحل النزاعات.
الحرب، إذن، ليست مجرد انفجار للعنف؛ إنها أيضاً آلية سيكولوجية، وبنية سياسية، وصرخة عدالة تاريخية.
لكن فلسفة القرن الحادي والعشرين باتت تشكك في فكرة التقدم، إذ أصبحت الحرب اليوم تُخاض ضد التاريخ نفسه، كتعبير عن يأس عبثي لتغيير الماضي.
وهنا يظل السؤال: هل يمكن إيجاد جواب فلسفي حقيقي لهذا السؤال: لماذا الحرب؟
للإجابة عن سؤال “لماذا الحرب؟ ”نشر المؤرخ البريطاني ريتشارد أوفرى كتابه “لمَ الحرب؟ ”؟ Why War عام (2024).
يتناول ريتشارد سؤالاً إنسانياً قديماً عن أسباب اندلاع الحروب واستمرارها عبر العصور.
هل الحرب قدر بيولوجي مغروس في الطبيعة البشرية، أم هي نتاج ظروف ثقافية وسياسية محددة؟ وهل يمكن للعقلانية الإنسانية أن تكبح هذه النزعة؟ ينطلق أوفرى من تحليل متعدد التخصصات يجمع بين البيولوجيا، علم النفس، الأنثروبولوجيا، التاريخ والسياسة لتفسير شامل لدينامية الحرب.
يعرض ريتشارد النظريات النفسية مثل “دافع الموت” عند فرويد، ويحلل أثر سيكولوجية الجماعة ومفهوم “نحن/هم” في إذكاء العداء.
من الجانب الآخر يرفض أطروحة مارغريت ميد التي اعتبرت الحرب مجرد بناء ثقافي، مؤكداً أن العنف المنظم موجود منذ عصور ما قبل التاريخ، بدليل الاكتشافات الأثرية لمقابر جماعية وصراعات بدائية.
أما الأثر الإيكولوجي فيوضح فيه الكاتب كيف تلعب الضغوط البيئية -مثل ندرة المياه أو الأراضي- دوراً في إشعال الحروب، لكن دون أن تكون السبب الوحيد أو الدائم.
يستعرض دور الموارد الاقتصادية المادية، ويحلل دور الدين والأيديولوجيا كمحرك قوي للنزعات.
وعليه يرى أوفرى أن الحرب لن تختفي من المشهد البشري قريباً، لأنها مرتبطة بالسلطة والهوية والمصالح، وهي نتاج لعوامل متداخلة، لا نتيجة غريزة بيولوجية بحتة ولا مجرد قرار سياسي منفصل.
ومع ذلك ندعو إلى تطوير أدوات للفهم والحوار والردع لتقليل آثارها المدمرة.
كيف نتعامل مع السؤال الفلسفي؟الأزمة أن الفلاسفة لم يصلوا إلى اتفاق.
بعضهم رأى الحرب جزءاً من الطبيعة البشرية (هوبز، فرويد)، وآخرون رأوها نتاجاً للظروف الاجتماعية والاقتصادية (روسو، ماركس)، وثالث رأوها مجرد أداة (كلاوزفيتز).
التنوع في الإجابات يعني أن السؤال الفلسفي لا يقدم حلاً، بل يقدم فهماً أعمق.
ولكن هل هذا الفهم كافٍ لوقف الحروب؟ التاريخ يقول لا.
الفلسفة تفسر، لكنها لا توقف القنابل.
كتب كارل ماركس أطروحته الشهيرة: “الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم بطرق مختلفة، بينما المطلوب هو تغييره”.
هذا النقد ينطبق تماماً على الفلسفة في موضوع الحرب.
قد يفهم الفيلسوف “لماذا الحرب؟ ” أفضل من أي إنسان آخر، لكنه يظل عاجزاً عن إيقافها.
ربما لهذا السبب، تتحول الفلسفة أحياناً إلى عزاء أكثر منها إلى حل.
الفلسفة تعلمنا أن نتحمل ما لا يمكن تغييره، لكن هل هذا كافٍ أمام ملايين الضحايا؟الصراع بين السؤالين: لماذا نخاف من السؤال الساذج؟السؤال الساذج يخيف لأنه يهدد الوضع القائم.
إذا أخذناه بجدية، قد نصل إلى نتائج مقلقة: إذا كانت الحرب خطأ، فلماذا نمول الجيوش بدلاً من المدارس والمستشفيات؟ إذا كانت الحرب خطأ، فلماذا نعلم أطفالنا حب الوطن والاستعداد للموت من أجله؟ إذا كانت الحرب خطأ، فلماذا نسمح ببيع الأسلحة بحرية؟ هذه الأسئلة تخيف النخب الحاكمة، وتخيف صناع السلاح، وتخيف حتى المواطن العادي الذي يشعر أنه جزء من مجتمع مدني لا يستطيع تغييره.
لماذا لا يكفي السؤال الفلسفي؟السؤال الفلسفي، مهما كان عميقاً، يظل محصوراً في الأكاديميا والمكتبات.
ندوات الفلاسفة لا توقف الحروب، وكتب الفلسفة لن تردع الدبابات.
الفلسفة تفسر، والواقع يحتاج إلى تغيير، والتغيير يحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى أخلاق، والأخلاق تحتاج إلى فلسفة – لكن الحلقة لا تغلق أبداً.
هذه المعضلة جعلت بعض المفكرين يذهبون إلى أن الفلسفة نفسها هي جزء من المشكلة؛ لأنها تشرعن العنف في بعض الأحيان.
فلسفة هيجل التي رأت في الحرب “ريحاً تمنع البحيرة من التعفن” قد تُستخدم لتبرير الحروب، لا لفهمها.
التكامل المطلوب؛ ربما الحل ليس في اختيار أحد السؤالين على حساب الآخر، بل في جمعهما.
نحتاج إلى: أولاً: سذاجة السؤال لتذكيرنا بأن الحرب ليست طبيعية، وعليه فإن فكرة أن الحرب كانت وستبقى هي فكرة خطيرة ومشروطة.
ثانياً: عمق الفلسفة لفهم آلياتها، ما هي الأسباب البنيوية التي تؤدي إليها؟ ومن المستفيد؟ ثالثاً: جرأة الطفل لتخيل عالم آخر، فقط من يتجرأ على تخيل المستحيل يمكنه تحقيقه.
الحرب كمسألة وجودية الحرب كأفق مغلق، ربما الألم الأكبر ليس في الحرب نفسها، بل في شعورنا أن لا مفر منها.
كما قال الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر: “الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً”، هنا يمكننا القول: “الإنسان محكوم عليه أن يكون محارباً” – ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه جزء من نظام يصنع الحرب كأمر مفروض.
الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز تحدث عن “المواقف الحدية”: الموت، الألم، الصراع، الذنب.
الحرب هي موقف حدي يجمع كل هذه العناصر.
وأي فلسفة لا تركز على هذه المواقف هي فلسفة معزولة عن الواقع.
في زمن الحروب، يصبح السؤال الفلسفي “لماذا الحرب؟ ” أقل إلحاحاً من السؤال الأخلاقي: ماذا أفعل أنا الآن؟ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت قال: “عامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل آخر كغاية، لا كوسيلة أبداً”.
الحرب تفعل العكس: تحول الإنسان إلى وسيلة.
الجنود أدوات، والمدنيون خسائر جانبية، والأطفال أرقام في إحصاءات الضحايا.
ربما، بدلاً من السؤال لماذا الحرب؟ ، الأكثر إلحاحاً هو: كيف أحافظ على إنسانيتي في زمن تفقد فيه الإنسانية قيمتها؟ وكيف أمنع تحول الآخر إلى عدو؟تجارب في تجاوز السؤال – نحو الإجابةعلى الرغم من صعوبة السؤال، هناك تجارب إنسانية حاولت تجاوزه: حركة الحقوق المدنية في أمريكا (الخمسينيات والستينيات) وكيف يمكن إحداث تغيير جذري دون حرب أهلية؟ قاد مارتن لوثر كينغ حركة سلام تخلت عن العنف تماماً، وحققت إنجازات هائلة.
قد يقول قائل: كان هناك عدو واضح (التمييز العنصري)، لكن الفكرة هنا هي أن اللاعنف المنظم يمكن أن يكون بديلاً عن الحرب.
وأيضاً المصالحة في جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد: كيف يمكن بناء دولة بعد عقود من القمع والعنف دون العودة إلى الحرب؟ عبر لجان الحقيقة والمصالحات، تم تفضيل “العدالة الانتقالية” على “العدالة العقابية”.
هل هذا نموذج للحروب التي لا نهاية لها؟ ربما.
وأخيراً يمكن اللجوء إلى التحكيم الدولي: الأمم المتحدة عصبة من الدول، لكنها تظل “حلماً”.
لكن هل هناك بديل عملي آخر؟ ربما لا.
ماذا لو أخذنا السؤال بجدية؟لنتخيل للحظة أن المجتمع الدولي قرر أن يأخذ سؤال “لماذا الحرب؟ ” بجدية.
ماذا سيحدث؟أولاً: تجريم صناعة السلاح – سيتوقف إنتاج وتجارة الأسلحة.
ثانياً: إعادة توزيع الثروات – لن تكون الحروب “اقتصادية” إلا إذا شعر الفقراء أن لا شيء يخسرونه.
ثالثاً: تعليم السلام في المدارس – بدلاً من تعليم حب الوطن، تعليم حب الإنسانية.
رابعاً: محاسبة مجرمي الحرب – كل من يقرر الحرب سيعاقب، وليس فقط الخاسرون.
هذه الرؤية تبدو يوتوبية.
لكن هل هي ساذجة؟ أم أن السذاجة الحقيقية هي استمرارنا في تكرار نفس الأخطاء ونتوقع نتائج مختلفة؟في النهاية، “لماذا الحرب؟ ” ليس سؤالاً ساذجاً ولا فلسفياً فحسب؛ إنه المرآة التي نرى فيها أنفسنا.
السؤال الساذج يقول: لماذا لا نعيش في سلام؟ والسؤال الفلسفي يقول: ما هي طبيعة الإنسان التي تجعله يقتل أخاه؟ كلاهما ضروري.
الطفل الذي يسأل لماذا الحرب؟ ليس ساذجاً لأنه يجهل الإجابة، بل لأنه يعرف أن الحرب غير منطقية.
الفيلسوف الذي يحلل أسباب الحرب ليس عاجزاً فقط، بل هو يبحث في أعماق الشر البشري دون أن يجد مخرجاً سهلاً.
ربما الإجابة الأصدق هي: الحرب لأننا اخترناها، ليس لأننا مجبرون عليها.
التاريخ يزخر بأمثلة على شعوب اختارت السلام رغم كل الظروف (كوستاريكا ألغت جيشها، وسويسرا حافظت على حيادها لقرون).
الحرب قرار، والسلام قرار.
لذا، دعونا نواجه السؤال: هل نحن شجعان بما يكفي لنأخذ سؤال “لماذا الحرب؟ ” بجدية، ونغير إجاباتنا، ثم نغير سلوكنا؟ أم سنستمر في ترديد الأجوبة الجاهزة ونحن ندفن أطفالنا تحت الأنقاض؟(المدير التنفيذي لمركز إبنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية) 25 أبريل 2026.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك